تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 833

مساهمون:

ص٨٣٣
على نعمة الخروج من السّجن ولمّ شمل أسرة يوسف عليه السّلام . فأمّا الحمد في هذه السّورة فسببه أنّ اللّه مربّي جميع العوالم ، فإذا قال إبراهيم الخليل : أنا أحمد اللّه ، لأنّه أعطاني ولدا أيّام كبري ، يقول المسلم في صلاته : أنا أثني على اللّه ، لأنّه هو الّذي ربّى جميع العوالم من العلويّات والسّفليّات ، إنّ إبراهيم يعرف نعمة اللّه في ابنه ، والجائع يعرف نعمة اللّه في أكله ، والمسلم يجب أن يعرف نعمة اللّه في تربية العوالم . وليس معنى هذا أن يكون جميع المسلمين حكماء فلاسفة ، وإنّما المراد أن يكون فيهم طائفة تقوم بجميع العلوم كالفرنجة أو أكثر ، ألا تراه يقول :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
ولم يقل « أعبد » للإشارة إلى أنّ المقصود الجماعة . وإذا بقي المسلمون على ما هم عليه من الجهل بنظام اللّه في العالم ، فلا حظّ لهم من حمد اللّه وشكره إلّا حظّ الجائع من النّسيم ، ولمّا عزّ الحامدون الحقيقيّون الشّاكرون العاقلون قال اللّه :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
سبأ : 13 . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 1 : 5 ، 13 ، 16 ) المراغيّ : الحمد لغة هو المدح على فعل حسن صدر عن فاعله باختياره ، سواء أسداه إلى الحامد أو إلى غيره . والمدح يعمّ هذا وغيره ، فيقال : مدح المال ، ومدح الجمال ، ومدح الرّياض . والثّناء يستعمل في المدح والذّمّ على السّواء ، فيقال : أثنى عليه شرّا ، كما يقال أثنى عليه خيرا . والشّكر هو الاعتراف بالفضل إزاء نعمة صدرت من المشكور بالقلب أو باللّسان أو باليد أو غيرها من الأعضاء . [ ثمّ استشهد بشعر ] يريد أنّ يدي ولساني وقلبي لكم ، فليس في القلب إلّا نصحكم ومحبّتكم ، ولا في اللّسان إلّا الثّناء عليكم ومدحكم ، ولا في اليد وسائر الجوارح والأعضاء إلّا مكافأتكم وخدمتكم . وورد في الأثر : « الحمد رأس الشّكر ، ما شكر اللّه عبد لم يحمده » وقد جعله رأس الشّكر ، لأنّ ذكر النّعمة باللّسان والثّناء على من أسداها ، يشهرها بين النّاس ويجعل صاحبها القدوة المؤتسى به ، أمّا الشّكر بالقلب فهو خفيّ قلّ من يعرفه ، وكذلك الشّكر بالجوارح منهم لا يستبين لكثير من النّاس . ( 1 : 29 ) سيّد قطب : وعقب البدء باسم اللّه الرّحمن الرّحيم يجيء التّوجّه إلى اللّه بالحمد ، ووصفه بالرّبوبيّة المطلقة للعالمين :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .
و
الْحَمْدُ لِلَّهِ
هو الشّعور الّذي يفيض به قلب المؤمن بمجرّد ذكره للّه ، فإنّ وجوده ابتداء ليس إلّا فيضا من فيوضات النّعمة الإلهيّة الّتي تستجيش الحمد والثّناء . وفي كلّ لمحة ، وفي كلّ لحظة ، وفي كلّ خطوة ، تتوالى آلاء اللّه وتتواكب وتتجمّع ، وتغمر خلائقه كلّها ، وبخاصّة هذا الإنسان . ومن ثمّ كان الحمد للّه ابتداء ، وكان الحمد للّه ختاما ، قاعدة من قواعد التّصوّر الإسلاميّ المباشر : « وهو اللّه لا إله إلّا هو ، له الحمد في الأولى والآخرة . . . » .