ومع هذا يبلغ من فضل اللّه - سبحانه - وفيضه على عبده المؤمن ، أنّه إذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
كتبها له حسنة ترجّح كلّ الموازين . في سنن ابن ماجة عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حدّثهم أنّ عبدا من عباد اللّه قال : « يا ربّ لك الحمد ، كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك » . فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها . فصعدا إلى اللّه فقالا : يا ربّنا ، إنّ عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها . قال اللّه - وهو أعلم بما قال عبده - : « وما الّذي قال عبدي ؟ » قالا : يا ربّ ، إنّه قال : « لك الحمد يا ربّ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك » . فقال اللّه لهما : « اكتباها كما قال عبدي حتّى يلقاني فأجزيه بها » .
والتّوجّه إلى اللّه بالحمد يمثّل شعور المؤمن الّذي يستجيشه مجرّد ذكره للّه - كما أسلفنا - أمّا شطر الآية الأخير :
رَبِّ الْعالَمِينَ
فهو يمثّل قاعدة التّصوّر الإسلاميّ ، فالرّبوبيّة المطلقة الشّاملة هي إحدى كليّات العقيدة الإسلاميّة . والرّبّ هو المالك المتصرّف ، ويطلق في اللّغة على السّيّد وعلى المتصرّف للإصلاح والتّربية .
والتّصرّف للإصلاح والتّربية يشمل العالمين ، أي جميع الخلائق ، واللّه سبحانه لم يخلق الكون ثمّ يتركه هملا ، إنّما هو يتصرّف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربّيه وكلّ العوالم والخلائق تحفظ وتتعهّد برعاية اللّه ربّ العالمين ، والصّلة بين الخالق والخلائق ، دائمة ممتدّة قائمة ، في كلّ وقت وفي كلّ حالة . ( 1 : 22 )
الطّباطبائيّ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
الحمد على ما قيل : هو الثّناء على الجميل الاختياريّ ، والمدح أعمّ منه ، يقال :
حمدت فلانا أو مدحته لكرمه ، ويقال : مدحت اللّؤلؤ على صفائه ولا يقال : حمدته على صفائه . واللّام فيه للجنس أو الاستغراق ، والمآل هاهنا واحد ، وذلك انّ اللّه سبحانه يقول :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
المؤمن : 62 ، فأفاد أنّ كلّ ما هو شيء فهو مخلوق للّه سبحانه .
وقال :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
السّجدة :
7 ، فأثبت الحسن لكلّ شيء مخلوق من جهة أنّه مخلوق له منسوب إليه ، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس ، فلا خلق إلّا وهو حسن جميل بإحسانه ، ولا حسن إلّا وهو مخلوق له منسوب إليه ، وقد قال تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
الزّمر : 4 . وقال :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
طه : 111 ، فإنباء أنّه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر ، ولا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر ، بل خلقه عن علم واختيار ، فما من شيء إلّا وهو فعل جميل اختياريّ له . فهذا من جهة الفعل ، وأمّا من جهة الاسم فقد قال تعالى :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
طه : 8 ، وقال تعالى :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ
الأعراف : 180 ، فهو تعالى جميل في أسمائه وجميل في أفعاله ، وكلّ جميل منه .
فقد بان أنّه تعالى محمود على جميل أسمائه ومحمود على جميل أفعاله ، وأنّه ما من حمد يحمده حامد لأمر محمود إلّا كان للّه سبحانه حقيقة ، لأنّ الجميل الّذي