والعبادة باللّه إطلاقا للحرّيّة والمساواة .
اعلم أنّ العرب كان من عادتهم أن ينصتوا للشّعراء ، ويسمعوا المدائح ، ويصغوا لمن هم في كلّ واد يهيمون الّذين يقولون ما لا يفعلون ، وما كان أكبر سلطان الشّعر عليهم وما أقساه وأقواه وأملكه لقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم ومشاعرهم ، ولقد كان الشّاعر يقول البيت من الشّعر مدحا ، فيرفع القبيلة الوضيعة المنزلة ، ويشيد بذكرها ، ويقول : بيتا ذمّا ، فيضع القبيلة الرّفيعة ، ويميت ذكرها ، فمن الأوّل ما قاله الشّاعر في بني أنف النّاقة .
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم * ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا
ومن الثّاني قول جرير :
فغضّ الطّرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ولقد كان ذكر بني أنف النّاقة ممّا يعير به ، فلمّا قيل هذا البيت رفعوا رؤوسهم وفخروا بلقبهم وشرفوا بنسبهم ، وكان الرّجل منهم إذا سئل يقول : أنا من بني أنف النّاقة ، ويميل صوته عجبا وتيها وافتخارا ، وكذلك بنو نمير كانوا قبل هذا البيت يتكبّرون ويفخرون بنسبهم ، فلمّا أن شاع البيت طأطأوا رؤوسهم وغضّوا من صوتهم ، وانخذلوا أمام عدوّهم ، وصغروا في المحافل ، ولقد كانت هذه حال العرب . [ إلى أن قال : ]
الحمد يكون على مقدار علم الحامد ، ألا وإنّ الحامد كلّما كان أعرف بصفات المحمود كان أصدق حمدا ، وكلّما كان قليل العلم بها كان أقرب إلى الكذب في حمده ، ولذلك نجد النّاس إذا أرادوا تأبين ميّت أو تكريم حيّ جمعوا من الكتب ما كان له من محمدة ، وإذا أرادوا ذمّا نقبوا عن الأعمال السّيّئة فهكذا هنا ، لن يعرف المسلمون محامد اللّه حتّى يقرأوا نظام الطّبيعة ، لأنّها أفعاله وآثاره وعجائب صنعه ، وهي كتاب التّاريخ الّذي حفظ في سجل الدّهر ، فإذا أراد المسلمون أن يحمدوا اللّه حقّ حمده فليقرأ عقلاؤهم نظام الطّبيعة ، وليعقلوها وليفهموا دقائق التّكوين ، فلا يتركون علما إلّا درسوه ، ولا فنّا إلّا عرفوه ، وحينئذ يحمدون اللّه حقّ حمده ، كما تحمد الأمم رجالها وتمدح شجعانها ، بذكر مآثرهم الّتي انتفعوا بها .
فإذا قالوا : الحمد للّه ، كان ذلك على الحقيقة والواقع لا بمجرّد اللّفظ . ولعلّك تقول : ها أنا ذا قد عرفت ، أنّه لا بدّ من معرفة نعم اللّه حتّى أكون حامدا له حقّ حمده ، بحسب طاقتي البشريّة ، فما مجامع تلك النّعم ؟ أقول : كلّ العلوم مجامع الحمد وسأفصّلها لك في التّفسير ، بل كلّ ما أشار له القرآن هو ما أثر تربية العالمين الّتي تستوجب الحمد .
أسباب الحمد : زيادة إيضاح لما سبق من قبل فيها :
إعلم أنّ لكلّ حمد سببا كما أشرنا إليه آنفا ، فالجائع يقول : الحمد للّه الّذي غذّاني ، والظّمآن يقول : الّذي أرواني ، والفقير يقول : الّذي أغناني ، والجاهل يقول :
الّذي علّمني ، وفي القرآن على لسان إبراهيم :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
إبراهيم :
39 ، وفيه على لسان يوسف :
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ
يوسف : 100 ، وهذه الجملة حمد