سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التّعظيم والإجلال ، أو لم يكن ، فثبت أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أولى من قوله :
« أحمد اللّه » ونظيره قولنا : « لا إله إلّا اللّه » فإنّه لا يدخله التّكذيب ، بخلاف قولنا : « أشهد أن لا إله إلّا اللّه » لأنّه قد يكون كاذبا في قوله : أشهد ، ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
المنافقون : 1 ، ولهذا السّرّ أمر في الأذان بقوله : « أشهد » ثمّ وقع الختم على قوله : « لا إله إلّا اللّه » .
الفائدة الثّالثة : اللّام في قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يحتمل وجوها كثيرة :
أحدها : الاختصاص اللّائق ، كقولك : الجلّ للفرس .
وثانيها : الملك ، كقولك : الدّار لزيد .
وثالثها : القدرة والاستيلاء ، كقولك : « البلد للسّلطان » ، واللّام في قولك :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
يحتمل هذه الوجوه الثّلاثة ، فإن حملته على الاختصاص اللّائق ، فمن المعلوم أنّه لا يليق الحمد إلّا به ، لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه . وإن حملته على الملك فمعلوم أنّه تعالى مالك للكلّ ، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده . وإن حملته على الاستيلاء والقدرة ، فالحقّ سبحانه وتعالى كذلك ، لأنّه واجب لذاته ، وما سواه ممكن لذاته ، والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته .
فالحمد للّه بمعنى أنّ الحمد لا يليق إلّا به ، وبمعنى أنّ الحمد ملكه وملكه ، وبمعنى أنّه هو المستولي على الكلّ والمستعلي على الكلّ .
الفائدة الرّابعة : قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
ثمانية أحرف ، وأبواب الجنّة ثمانية ، فمن قال : هذه الثّمانية عن صفاء قلبه استحقّ ثمانية أبواب الجنّة .
الفائدة الخامسة : ( الحمد ) لفظة مفردة دخل عليها حرف التّعريف ، وفيه قولان :
الأوّل : أنّه إن كان مسبوقا بمعهود سابق انصرف إليه ، وإلّا يحمل على الاستغراق صونا للكلام عن الإجمال .
والقول الثّاني : أنّه لا يفيد العموم ، إلّا أنّه يفيد الماهيّة والحقيقة فقط .
إذا عرفت هذه فنقول : قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
إن قلنا بالقول الأوّل : أفاد أنّ كلّ ما كان حمدا وثناء فهو للّه وحقّه وملكه . وحينئذ يلزم أن يقال : إنّ ما سوى اللّه فإنّه لا يستحقّ الحمد والثّناء ألبتّة ، وإن قلنا بالقول الثّاني : كان معناه أنّ ماهيّة الحمد حقّ للّه تعالى وملك له ، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهيّة لغير اللّه ، فثبت على القولين أنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
ينفي حصول الحمد لغير اللّه .
فإن قيل : أليس أنّ المنعم يستحقّ الحمد من المنعم عليه ، والأستاذ يستحقّ الحمد من التّلميذ ، والسّلطان العادل يستحقّ الحمد من الرّعيّة ، وقال عليه السّلام : من لم يحمد النّاس لم يحمد اللّه ؟
قلنا : إنّ كلّ من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو اللّه تعالى ، لأنّه لولا أنّه تعالى خلق تلك الدّاعية في قلب ذلك المنعم ، وإلّا لم يقدم على ذلك الإنعام ، ولولا أنّه تعالى خلق تلك النّعمة ، وسلّط ذلك