بأنّ إله العالم ليس موجبا بالذّات كما تقول الفلاسفة ، بل هو فاعل مختار .
وأيضا فقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
أولى من قوله : الشّكر للّه ، لأنّ قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
ثناء على اللّه بسبب كلّ إنعام صدر منه ووصل إلى غيره ، وأمّا الشّكر للّه ، فهو ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ، ولا شكّ أنّ الأوّل أفضل ، لأنّ التّقدير كأنّ العبد يقول : سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كلّ العالمين ، وأنت مستحقّ للحمد العظيم .
وقيل : الحمد على ما دفع اللّه من البلاء ، والشّكر على ما أعطى من النّعماء .
فإن قيل : النّعمة في الإعطاء أكثر من النّعمة في دفع البلاء ، فلماذا ترك الأكثر وذكر الأقلّ ؟
قلنا : فيه وجوه :
الأوّل : كأنّه يقول : أنا شاكر لأدنى النّعمتين فكيف لأعلاهما !
الثّاني : المنع غير متناه ، والإعطاء متناه ، فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الّذي لا نهاية له أولى .
الثّالث : أنّ دفع الضّرر أهمّ من جلب النّفع ، فلهذا قدّمه .
الفائدة الثّانية : أنّه تعالى لم يقل : أحمد اللّه ولكن قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
وهذه العبارة الثّانية أولى لوجوه :
أحدها : أنّه لو قال : أحمد اللّه ، أفاد ذلك كون ذلك القائل قادرا على حمده ، أمّا لمّا قال
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فقد أفاد ذلك أنّه كان محمودا قبل حمد الحامدين ، وقبل شكر الشّاكرين ، فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا ، وسواء شكروا أو لم يشكروا ، فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم ، وكلامه القديم .
وثانيها : أنّ قولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
معناه أنّ الحمد والثّناء حقّ للّه وملكه ، فإنّه تعالى هو المستحقّ للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد ، فقولنا :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
معناه أنّ الحمد للّه حقّ يستحقّه لذاته ، ولو قال : أحمد اللّه لم يدلّ ذلك على كونه مستحقّا للحمد لذاته . ومعلوم أنّ اللّفظ الدّالّ على كونه مستحقّا للحمد أولى من اللّفظ الدّالّ على أنّ شخصا واحدا حمده .
وثالثها : أنّه لو قال : أحمد اللّه ، لكان قد حمد ، لكن لا حمدا يليق به ، وأمّا إذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
فكأنّه قال : من أنا حتّى أحمده ؟ لكنّه محمود بجميع حمد الحامدين ، مثاله : ما لو سألت هل لفلان عليك نعمة ؟ فإن قلت : نعم ، فقد حمدته ، ولكن حمدا ضعيفا ، ولو قلت في الجواب : بل ، نعمه على كلّ الخلائق ، فقد حمدته بأكمل المحامد .
ورابعها : أنّ الحمد عبارة عن صفة القلب ، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضّلا ، منعما ، مستحقّا للتّعظيم والإجلال ، فإذا تلفّظ الإنسان بقوله : أحمد اللّه ، مع أنّه كان قلبه غافلا عن معنى التّعظيم اللّائق بجلال اللّه ، كان كاذبا ، لأنّه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع أنّه ليس كذلك ، أمّا إذا قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
سواء كان غافلا أو مستحضرا لمعنى التّعظيم ، فإنّه يكون صادقا ، لأنّ معناه أنّ الحمد حقّ للّه وملكه ، وهذا المعنى حاصل