على عرشه ، وروت في ذلك حديثا ، وعضد الطّبريّ جواز ذلك بشطط من القول ، وهو لا يخرج إلّا على تلطّف في المعنى وفيه بعد ، ولا ينكر مع ذلك أن يروى ، والعلم يتأوّله ، وقد ذكر النّقّاش عن أبي داود السّجستانيّ أنّه قال : من أنكر هذا الحديث فهو عندنا متّهم ما زال أهل العلم يتحدّثون بهذا . ( 3 : 478 )
الطّبرسيّ : [ نحو ابن عبّاس وأضاف : ]
وقد أجمع المفسّرون على أنّ المقام المحمود هو مقام الشّفاعة ، وهو المقام الّذي يشفع فيه للنّاس ، وهو المقام الّذي يعطي فيه لواء الحمد فيوضع في كفّه ويجتمع تحته الأنبياء والملائكة ، فيكون صلّى اللّه عليه وآله أوّل شافع وأوّل مشفّع .
( 3 : 435 )
الفخر الرّازيّ : وقوله :
مَقاماً مَحْمُوداً
فيه بحثان :
البحث الأوّل : في انتصاب قوله : ( محمودا ) وجهان :
الأوّل : أن يكون انتصابه على الحال من قوله : ( يبعثك ) أي يبعثك محمودا ، والثّاني : أن يكون نعتا للمقام ، وهو ظاهر .
البحث الثّاني : في تفسير المقام المحمود أقوال : الأوّل :
أنّه الشّفاعة . قال الواحديّ : أجمع المفسّرون على أنّه مقام الشّفاعة ، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الآية : « هو المقام الّذي أشفع فيه لأمّتي » .
وأقول : اللّفظ مشعر به ، وذلك لأنّ الإنسان إنّما يصير محمودا إذا حمده حامد ، والحمد إنّما يكون على الإنعام ، فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاما أنعم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيه على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام ، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدّين وتعليم الشّرع ، لأنّ ذلك كان حاصلا في الحال . وقوله :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
تطميع ، وتطميع الإنسان في الشّيء الّذي وعده في الحال محال ، فوجب أن يكون ذلك الإنعام الّذي لأجله يصير محمودا إنعاما سيصل منه ، حصل له بعد ذلك إلى النّاس ، وما ذاك إلّا شفاعته عند اللّه .
فدلّ هذا على أنّ لفظ الآية وهو قوله :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
يدلّ على هذا المعنى .
وأيضا التّنكير في قوله :
مَقاماً مَحْمُوداً
يدلّ على أنّه يحصل للنّبيّ عليه السّلام في ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل ، ومن المعلوم أنّ حمد الإنسان على سعيه في التّخليص عن العقاب أعظم من حمده في السّعي في زيادة من الثّواب لا حاجة به إليها ، لأنّ احتياج الإنسان إلى دفع الآلام العظيمة عن النّفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزّائدة الّتي لا حاجة به إلى تحصيلها .
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
هو الشّفاعة في إسقاط العقاب على ما هو مذهب أهل السّنّة . ولمّا ثبت أنّ لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويّا ثمّ وردت الأخبار الصّحيحة في تقرير هذا المعنى وجب حمل اللّفظ عليه .
وممّا يؤكّد هذا الوجه الدّعاء المشهور : « وابعثه المقام المحمود الّذي وعدته يغبطه به الأوّلون والآخرون »