فتكون ( من ) زائدة ، فيكون المعنى : يستحسنون فيها الأساور الملبوسة » انتهى .
وهذا ليس بجيّد ، لأنّه جعل حلي فعلا متعدّيا ، ولذلك حكم بزيادة ( من ) في الواجب ، وليس هذا مذهب البصريّين . وينبغي على هذا التّقدير أن لا يجوز ، لأنّه لا يحفظ لازما ، فإن كان بهذا المعنى كانت ( من ) للسّبب أو للتّبعيض - كما قلنا - أي بلباس أساور الذّهب ، أو بعضها من ذهب يحلون بعين من يراهم ، أي يحلى بعضهم بعين بعض .
قال أبو الفضل الرّازيّ : ويجوز أن تكون من : حليت به ، إذا ظفرت به ، فيكون المعنى : يحلون فيها بأساور ، فتكون ( من ) بدلا من الباء ، والحلية من ذلك . فأمّا إذا أخذته من : حليت به ، فإنّه من الحلية ، وهو من الياء ، وإن أخذته من : حلي بعيني ، فإنّه من الحلاوة ، وهو من الواو ، انتهى .
ومن معنى الظّفر قولهم : لم يحل فلان بطائل ، أي لم يظفر . والظّاهر أنّ ( من ) في
مِنْ أَساوِرَ *
للتّبعيض ، وفي
مِنْ ذَهَبٍ *
لابتداء الغاية ، أي أنشئت من ذهب .
أو بالعكس ، فالأولى للابتداء والثّانية للتّبعيض - كما سبق - وهذا هو الأولى .
ثانيا : جاء من مشتقّات هذه المادّة أيضا الحلية والحليّ في سائر الآيات الخمس ، وفيها بحوث :
1 - لم يذكر نوع الحلية وجنسها في هذه الآيات كما ذكرا في آيات أهل الجنّة ، غير أنّه يمكن تشخيص جنسها وأصلها من بعض القرائن ، فيراد بها في ( 5 ) الذّهب والفضّة ، لأنّها تطلب منهما ، وفي ( 6 ) و ( 7 ) اللّؤلؤ والمرجان ، لأنّهما يخرجان من البحار ، وفي ( 8 ) و ( 9 ) كلاهما ، أي الذّهب والفضّة والأحجار .
2 - قال الزّمخشريّ في ( 5 ) : « فإن قلت : فما فائدة قوله :
ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ ؟
قلت : الفائدة فيه كالفائدة في قوله :
فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
لأنّه جمع الماء والفلزّ في النّفع ، في قوله :
وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ
لأنّ المعنى : وأمّا ما ينفعهم من الماء والفلزّ ، فذكر وجه الانتفاع بما يوقد عليه منه ويذاب ، وهو الحلية والمتاع .
وقوله :
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ
عبارة جامعة لأنواع الفلزّ مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التّهاون به ، كما هو هجّيرى الملوك ، نحو ما جاء في ذكر الآجرّ
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ
القصص : 38 » .
3 - وقال أيضا في ( 9 ) : « فإن قلت : لم قال :
مِنْ حُلِيِّهِمْ
ولم يكن الحليّ لهم إنّما كانت عواري في أيديهم ؟
قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة ، وكونها عواري في أيديهم ، كفى به ملابسة على أنّهم قد ملكوها بعد المهلكين ، كما ملكوا غيرها من أملاكهم » .
وقال النّسفيّ : « فيه دليل على أنّ الاستيلاء على أموال الكفّار يوجب زوال ملكهم عنها » .
وقال الآلوسيّ : « استشكل ذلك بكونه أمرا بأخذ مال الغير بغير حقّ ، وإنّما يكون غنيمة بعد الهلاك ، مع أنّ الغنائم لم تكن حلالا لهم .
وأجيب بأنّ ذلك أن تقول : إنّهم لمّا استعبدوهم بغير