أفعال أربعة في الآيات الأربع الأولى ، وفيها بحوث :
1 - تناسقت الآيات الأربع بنسق واحد ؛ إذ أفعالها مضارعة مبنيّة للمجهول ، وتلتها
فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ . *
إلّا الآية ( 1 ) ؛ إذ فعلها ماض مجهول ، وتلته عبارة
أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ،
ولعلّ خلوّها من ( فيها ) العائد على الجنّة لبعد هذا اللّفظ عن هذه الآية ؛ حيث ذكرت في الآيات المتقدّمة . لفظها ، وكرّر ضميرها :
( فيها ) فاستغني عن تكرارها هنا .
وقد اقتضى إضماره في سائر الآيات لذكر لفظ ( جنّات ) فيها دون فصل ، وعدم تكرار ضميرها .
ولعلّ علّة تعدية الفعل دون ( من ) في ( 1 ) مجيئه ماضيا ، وإن كان بمعنى المضارع ، فكأنّ هذا الأمر قد وقع أو أنّه قريب الوقوع ، ونظيره قوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ
النّحل : 1 .
أو أنّ ( من ) في الثّلاثة الأخيرة للتّبعيض ، إشارة إلى أنّ بعض أساورهنّ من ذهب ، بخلاف الأولى فكلّ أساورهم فيها من فضّة ، فرقا بين الذّهب والفضّة لقلّة الأولى وغلائها ، وكثرة الثّانية ورخصها .
وتقدّم ذكر الثّياب على التّحلية في هذه الآية خلافا لسائر الآيات ؛ إذ جاء بلفظ ثياب أيضا في ( 2 ) بعد
مِنْ ذَهَبٍ ،
وبلفظ ( لباسهم ) في ( 3 ) و ( 4 ) بعد ( لؤلؤا ) .
وقال أبو حيّان في علّة تقديم التّحلية على اللّباس : « لأنّ الحليّ في النّفس أعظم ، وإلى القلب أحبّ ، وفي القيمة أغلى ، وفي العين أحلى » .
وذكرت فيها الحلية بأنّها
أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ ،
وليس
أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
كما في سائر الآيات ، قال سعيد بن جبير : « يحلّى كلّ واحد منهم ثلاثة من الأساور : واحد من فضّة ، وواحد من ذهب ، وواحد من لؤلؤ ويواقيت » .
2 - قال الفخر الرّازيّ : « فإن قيل : ما السّبب في أنّه تعالى قال في الحليّ : ( يحلّون ) على فعل ما لم يسمّ فاعله ، وقال في السّندس والإستبرق : ( ويلبسون ) فأضاف اللّبس إليهم ؟ قلنا : يحتمل أن يكون اللّبس إشارة إلى ما استوجبوه بعملهم ، وأن يكون الحليّ إشارة إلى ما تفضّل اللّه عليهم ابتداء من زوائد الكرم » .
3 - ويلحظ التّفنّن في الآيات ترغيبا إلى الجنّة ، حيث قرن في ( 2 ) سندس وإستبرق منكّرين بلفظ « ثيابا » منكّرا أيضا - وفي التّنكير إكبار لها وتعمية - ، وقرن « حرير » منكّرا بلفظ « لباسهم » مع تغيير الأسلوب في ( 3 و 4 ) حيث جاء به في جملة :
وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ، *
ولم يعطف على ما قبله كما عطف « اللّؤلؤ » فيهما على « ذهب » . لاحظ : حرير ، وذهب ، وفضّة ، ولؤلؤ ، ولباس ، وثياب .
4 - قرئ ( يحلون ) بفتح الياء واللّام وتخفيفها . قال الزّجّاج : « على معنى قولك : حلي يحلى ، إذا صار ذا حلي » . وقال ابن جنّيّ : « يحلون من : حلي يحلى . يقال : لم أحل منه بطائل ، أي لم أظفر . ويجوز أن يكون من قولهم :
امرأة حالية ، أي ذات حلي » .
وقال أبو حيّان : « قال أبو الفضل الرّازيّ : يجوز أن يكون من : حلي بعيني يحلى ، إذا استحسنته ، قال :