واحتمل مكارم الشّيرازيّ أن تكون « الأحلام » هنا بمعنى الرّؤية والمنام ، وفسّر الآية حسب هذا الاحتمال بقوله : « فكأنّ كلماتهم ناتجة عن أطيافهم ورؤياهم » .
المحور الثّالث : الحليم صفة للّه ولغيره :
أ - اللّه في ( 11 ) آية : ( 6 - 16 ) : وفيها بحوث :
1 - قال القاضي عبد الجبّار : « لا يتعجّل العقوبة خشية الفوت ، كما يفعله أحدنا » .
وقال الماورديّ : « حليم في تركه مقابلة أهل حسنته بالعقوبة على معاصيهم » .
وقال الميبديّ : « يؤخّر العقوبة عن الكافرين والعصاة ، والحلم من النّاس التّثبّت والأناة ، ومن اللّه الإمهال » .
وروى الخازن عن الحليميّ في معنى الحليم ، قال :
« الّذي لا يحبس إنعامه وإفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم ، ولكنّه يرزق العاصي كما يرزق المطيع ، ويبقيه وهو منهمك في معاصيه كما يبقي البرّ المتّقي ، وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره - فضلا عن أن يدعوه - كما يقيها النّاسك الّذي يدعوه ويسأله » .
ومآلها شيء واحد ، وهو الإمهال وعدم العجلة ، وإن شئت قلت : هو الالتزام بالحلم ، أي العقل .
2 - قرن الحليم بصفة أخرى من صفات اللّه في جميع المواضع ، وهي : الغفور ستّ مرّات ، والغنيّ مرّة واحدة ، والعليم ثلاث مرّات ، والشّكور مرّة واحدة .
وقد جاء الحليم متأخّرا عن هذه الصّفات في السّور المدنيّة ومتقدّما عليها في ( 10 ) و ( 11 ) المكّيّتين ، وعلّة تقدّمه فيهما - كما يبدو - رعاية لرويّ الآيات ، كما روعي في ( 6 ) و ( 14 ) و ( 15 ) أيضا .
3 - قال أبو حيّان في اقتران الحلم بالغفران : « جاءت هاتان الصّفتان تدلّان على توسعة اللّه على عباده . . . وفي تعقيب الآية بهما إشعار بالغفران ، والحلم عن من أوعده تعالى بالمؤاخذة ، وإطماع في سعة رحمته ، لأنّ من وصف نفسه بكثرة الغفران والصّفح مطموع في ما وصف به نفسه » .
4 - وقال الطّوسيّ في ( 12 ) : « لو وقع موقع « حليم » حميد أو عليم لما حسن ، لأنّه تعالى لمّا نهاهم أن يتبعوا الصّدقة بالمنّ ، بيّن أنّهم إن خالفوا ذلك فهو غنيّ عن طاعتهم ، حليم في أن لا يعاجلهم بالعقوبة » .
5 - قال محمّد رشيد رضا نقلا عن أستاذه في ( 14 ) :
« قد يخطر في البال أنّ المناسب الظّاهر في هذه الآية أن يقرن وصف العلم بوصف الحكمة كالآية الأخرى ، فيقال :
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، *
فما هي النّكتة في إيثار الوصف بالحلم على الوصف بالحكمة ، والمقام مقام تشريع وحثّ على اتّباع الشّريعة ، لا مقام حثّ على التّوبة ، فيؤتى فيه بالحلم الّذي يناسب العفو والرّحمة ؟
والجواب عن ذلك : أنّ التّذكير بعلم اللّه تعالى لمّا كان متضمّنا لإنذار من يتعدّى حدوده تعالى فيما تقدّم من الوصيّة والدّين والفرائض ووعيده ، وكان تحقّق الإنذار والوعيد بعقاب معتدي الحدود وهاضم الحقوق قد يتأخّر عن الذّنب ، وكان ذلك مدعاة غرور الغافل ، ذكّرنا تعالى هنا بحلمه ، لنعلم أنّ تأخّر نزول العقاب