لا ينافي ذلك الوعيد والإنذار .
ولا يصحّ أن يكون سببا للجرأة والاغترار ، فإنّ الحليم هو الّذي لا تستفزّه المعصية إلى التّعجيل بالعقوبة .
وليس في الحلم شيء من معنى العفو والرّحمة ، فكأنّه يقول : لا يغرّنّ الطّامع في الاعتداء ، وأكل الحقوق تمتّع بعض المعتدين بما أكلوا بالباطل ، فينسى علم اللّه تعالى بحقيقة حالهم ووعيده لأمثالهم ، فيظنّ أنّهم بمفازة من العذاب ، فيتجرّأ على مثل ما تجرّؤوا عليه من الاعتداء .
ولا يغرّنّ المعتدي نفسه تأخّر نزول الوعيد به ، فيتمادى في المعصية بدلا من المبادرة إلى التّوبة ، لا يغرّنّ هذا وذاك تأخير العقوبة ، فإنّه إمهال يقتضيه الحلم ، لا إهمال من العجز أو عدم العلم . وفائدة المذنب من حلم الحليم القادر أنّه يترك له وقتا للتّوبة والإنابة بالتّأمّل في بشاعة الذّنب وسوء عاقبته ، فإذا أصرّ المذنب على ذنبه ، ولم يبق للحلم فائدة في إصلاح شأنه ، يوشك أن يكون عقاب الحليم له أشدّ من عقاب السّفيه على البادرة عند حدوثها » .
ب - شعيب في ( 17 ) :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
وفيها بحثان :
1 - قال الزّمخشريّ : « أرادوا بقولهم :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
نسبته إلى غاية السّفه والغيّ ، فعكسوا ليتهكّموا به كما يتهكّم بالشّحيح الّذي لا يبضّ حجره ، فيقال له : لو أبصرك حاتم لسجد لك . وقيل معناه : إنّك للمتواصف بالحلم والرّشد في قومك ، يعنون أنّ ما تأمر به لا يطابق حالك وما شهرت به » .
وذكر الفخر الرّازيّ وجها آخر ، فقال : « كان مشهورا عندهم بأنّه حليم رشيد ، فلمّا أمرهم بمفارقة طريقتهم ، قالوا له :
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
المعروف الطّريقة في هذا الباب ، فكيف تنهانا عن دين ألفيناه من آبائنا وأسلافنا ، والمقصود استبعاد مثل هذا العمل ممّن كان موصوفا بالحلم والرّشد ، وهذا الوجه أصوب الوجوه » .
وقال الآلوسيّ : « رجّح الأوّل بأنّه الأنسب بما قبله ، لأنّه تهكّم أيضا ، ورجّح الأخير بأنّه يكون الكلام عليه نظير ما مرّ في قصّة صالح عليه السّلام من قولهم له : ( قد كنت فينا مرجوّا قبل هذا ) هود : 62 » .
وقال صاحب « المنار » : « وصفه بهما وصفا مؤكّدا بالجملة الاسميّة و « إنّ » و « اللّام » في تعليل إنكارهم ، لما أمرهم به وما نهاهم عنه ، كلاهما صريح في الاستهزاء به والتّعريض بما يعتقدون من اتّصافه بضدّهما ، وهو الجهالة والسّفه في الرّأي ، والغواية في الفعل بهوس الصّلاة ، قال ابن عبّاس : يقولون : إنّك لست بحليم ولا رشيد » .
ولكنّ صاحب « الميزان » قال : بأنّه ليس تهكّما ولا استهزاء ، وعلّل تأكيده ب « إنّ » و « اللّام » وإتيان الخبر جملة اسميّة بقوله : « ليكون أقوى في إثبات الحلم والرّشد له ، فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه ، وأنّ الّذي لا شكّ في حلمه ورشده قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السّفهيّ ، وينتهض على سلب حرّيّة النّاس واستقلالهم في الشّعور والإرادة .
وظهر بذلك أنّ ما ذكره كثير منهم أنّهم وصفوه