حين غرّة ، لذلك قالوا له :
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
ليرفعوا الكدورة عن خاطره ، أي لا تتأثّر فما هنالك أمر مهمّ ، وهذه الأحلام لا يمكن أن تكون دليلا على أيّ شيء .
وهناك احتمال آخر يذكره المفسّرون ، وهو أنّ مرادهم من
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
لم يكن أنّ هذه الأحلام لا تأويل لها ، بل المراد أنّ مثل هذه الأحلام ملتوية ومجموعة من أمور مختلفة ، وهم غير قادرين على تأويل . مثل هذه الأحلام ، فهم لم ينكروا إمكان وجود أستاذ ماهر وقادر على تأويل هذه الرّؤيا ، وإنّما أظهروا عجزهم عن التّعبير والتّأويل فحسب . ( 7 : 199 )
فضل اللّه : هل للأحلام حقيقة في الواقع ؟ وربّما كان في هذا الفهم بعض الصّواب نستوحيه من قصّة يوسف الّتي توحي بأنّ للأحلام عمقا في حركة الواقع الإنسانيّ ، ومدلولا حقيقيّا في ما يعنيه الرّمز الحيّ ، للحاضر والمستقبل ، وفي ما نفهمه من أنّ معرفة أسرارها تحتاج إلى إلهام ربّانيّ ، يلهم اللّه فيه بعض عباده ، ما يستطيعون به تحليل تفاصيلها ، وتوضيح مبهماتها ، فقد يعطي اللّه بعضهم سعة المعرفة في ذلك كلّه ، وقد يمنح البعض القليل من ذلك ، وربّما لا يستطيع الإنسان الجزم دائما ، بأنّ هناك قواعد ثابتة لمعرفة طبيعة الرّمز وعلاقته بالواقع ، على الشّكل المطلق ، فقد تختلف القضيّة حسب اختلاف الأجواء المحيطة بالرّمز ، ودلالته من حيث الشّخص والزّمان والمكان ، في ما يتّسع فيه الأمر لأكثر من احتمال .
ولكن هل معنى ذلك ، أنّ للمسألة بعدا كلّيّا يفرض وجود حقيقة مع كلّ حلم ، أو أنّ للمسألة بعدا جزئيّا في هذا المجال ؟ فقد تكون بعض الأحلام ، ردّ فعل لحالة نفسيّة ، أو غذائيّة أو عمليّة ، أو استذكارا لأوضاع ماضية في حياته ، ممّا يجعلها صورة لما تختزنه النّفس من مشاعر ، وأفكار وانفعالات ، أو لما يعيشه الجسد من حاجات .
ليس لدينا ما يؤكّد الشّموليّة الكلّيّة للمسألة ، بل قد نجد أنّ العكس هو الصّحيح في ما نراه من عدم الصّدق في الكثير من الأحلام ، وارتباط بعضها بالعوامل الذّاتيّة الخاصّة .
أمّا حول طبيعة القاعدة العمليّة الّتي تخضع لها الرّؤيا ، وتصلح مقياسا لصدقها أو كذبها ، فإنّنا لم نقف لها على أساس ثابت ، بل ليس هناك سوى الحدس والتّخمين ، أو التّعليلات المنطلقة من إخضاع الإنسان لنظريّة العامل الواحد ، كما نلاحظ في التّعليل الّذي يقدّمه فرويد ، والّذي يعطي الأحلام مداليل جنسيّة ، تتحوّل فيها رموز الأحلام إلى رموز للأعضاء التّناسليّة ، أو الحالات الجنسيّة وما إلى ذلك ، ارتكازا على نظريّته .
ولكن مثل هذه الاحتمالات أو النّظريّات لا ترتكز على أساس قطعيّ لها ، يجعلها في دائرة الحقيقة العلميّة ، كما لا تنطلق من حجج علميّة مقنعة تجعلها في نطاق النّظريّة العلميّة المعقولة ، ولهذا فإنّنا لا نستطيع الجزم بشيء من هذا القبيل ، تجاه ما نشاهده أو ينقل إلينا من أحلام ، إلّا من خلال النّتائج الّتي نواجهها في المستقبل ، ممّا يتطابق مع صورة المنام ، أو نجدها في واقعنا الحاضر .