فهذه خمس مرّات من استعمال القرآن للرّؤيا من الأنبياء . والمرّتان الأخريان في رؤيا العزيز وقد صدقت ، وفي آيتها عبّر عنها القرآن مرّتين على لسان الملك بالرّؤيا ، لوضوحها في منامه وجلائها وصفائها ، وإن بدت للملأ من قومه هواجس أوهام وأضغاث أحلام ،
وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ . . . *
قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
يوسف : 43 ، 44 ، وتمضي القصّة في سياقها القرآنيّ ، فإذا رؤيا الملك صادقة الإلهام ، وليست كما بدت للملأ من قومه أضغاث أحلام . ( الإعجاز البيانيّ : 198 )
المصطفويّ : أي أمور مشوّشة متفرّقة تتراءى في النّوم ، ويراها النّائم حين اطمأنّ واستراح عن اضطراب اليقظة ، يريد أنّ هذه الرّؤيا بمقتضى حصول حالة السّكون والطّمأنينة ، ثمّ انتقاش الصّور المتشتّة في النّفس . وهذا المعنى هو الموجب في هذا التّعبير دون كلمة رؤيا النّائم ، فإنّ منها الرّؤيا الصّادقة . ( 2 : 296 )
مكارم الشّيرازيّ : الأحلام : جمع حلم ، على وزن « رخم » معناه الطّيف والرّؤيا ، فيكون معنى
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
هو الأطياف المختلطة ، فكأنّها متشكّلة من مجموعة مختلفة ومتفاوتة من الأشياء ، وجاءت كلمة ( الأحلام ) في جملة
وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ
مسبوقة بالألف واللّام العهديّة ، وهي إشارة إلى أنّ المعبّرين غير قادرين على تأويل مثل هذه الأحلام .
ومن اللّازم ذكر هذه المسألة الدّقيقة ، وهي : أنّ إظهار عجز أولئك في الحقيقة كان من أجل أنّ المفهوم الواقعيّ لهذه الرّؤيا عندهم غير واضح ، ولذلك عدوّها ضمن الأحلام المختلطة والأضغاث حيث قسّموا الأحلام إلى قسمين :
أحلام ذات معنى ، وهي قابلة للتّعبير .
وأحلام مختلطة لا معنى لها لم يجدوا لها تعبيرا وتأويلا . وكانوا يعدّون هذا النّوع نتيجة قوّة الخيال ، على العكس من النّوع الأوّل الّذي يعدّونه نتيجة اتّصال الرّوح بعالم الغيب .
كما أنّ هناك احتمالا آخر واردا ، وهو أنّهم توقّعوا أن تقع حوادث مزعجة في المستقبل ، وما اعتاد عليه حاشية الملوك والطّغاة هو ذكر المسائل المريحة لهم فحسب ، وكما يصطلح عليه ما فيه طيب الخاطر ، ويمتنعون عن ذكر ما يزعجهم ، وهذا أحد أسباب سقوط مثل هذه الحكومات المتجبّرة .
هنا يرد سؤال ، وهو : كيف تجرّأ هؤلاء أمام السّلطان ، بقولهم جوابا لسؤاله عن رؤياه : إنّها
أَضْغاثُ أَحْلامٍ
في حين أنّ المعروف عند حاشية السّلطان أن تفلسف كلّ حركة منه ولو كانت بغير معنى ، ويفسّرونها تفسيرا مقبولا ؟ !
من الممكن أنّهم رأوا الملك مهموما من هذه الرّؤيا ، وكان من حقّه ذلك ، لأنّه رأى
سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ
يوسف : 43 ، ألّا يدلّ ذلك على أنّ من الممكن أنّ أفرادا ضعافا يتسلّمون السّلطة من يده على