وقال المفضّل : السّفه في الأصل : قلّة المعرفة بوضع الأمور مواضعها ، وهو ضعف الرّأي .
قال أبو هلال : وهذا يوجب أنّه ضدّ الحلم ، لأنّ الحلم من الحكمة ، والحكمة وجود الفعل على جهة الصّواب .
قال المفضّل : ثمّ أجري السّفه على كلّ جهل وخفّة ، يقال : سفه رأيه سفها . وقال الفرّاء : سفه غير متعدّ ، وإنّما ينصب « رأيه » على التّفسير ، وفيه لغة أخرى سفه يسفه سفاهة .
وقيل : السّفيه في قوله تعالى :
فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً
البقرة : 282 هو الصّغير ، وهذا يرجع إلى أنّه القليل المعرفة . والدّليل على أنّ الحلم أجري مجرى الحكمة نقيضا للسّفه قول المتلمّس :
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا .
* وما علم الإنسان إلّا ليعلما
أي لذي المعرفة والتّمييز .
وأصل السّفه : الخفّة ، ثوب سفيه ، أي خفيف .
وأصل الحلم في العربيّة : اللّين ، ورجل حليم ، أي ليّن في معاملته في الجزاء على السّيّئة بالأناة ، وحلم في النّوم ، لأنّ حال النّوم حال سكون وهدوء . واحتلم الغلام وهو محتلم وحالم يرجع إلى قولهم : حلم في النّوم .
وحلمة الثّدي : النّاتئ في طرفه لما يخرج منها من اللّبن الّذي يحلم الصّبيّ . وحلم الأديم : ثقل بالحلم ، وهو قردان عظيمة ليّنة الملمس . وتحلّم الرّجل : تكلّف الحلم .
والصّبر : حبس النّفس لمصادفة المكروه ، وصبر الرّجل : حبس نفسه عن إظهار الجزع ، والجزع : إظهار ما يلحق المصاب من المضض والغمّ .
وفي الحديث : « يصبر الصّابر ويقتل القاتل » والصّابر هاهنا هو الّذي يصبّر النّفس عن القتل ، ولا تجوز الصّفة على اللّه تعالى بالصّبر ، لأنّ المضارّ لا تلحقه ، وتجوز الصّفة عليه بالحلم ، لأنّه صفة مدح وتعظيم .
وإذا قال قائل : اللّهمّ حلمك عن العصاة ، أي إمهالك ، فذلك جائز على شرائط الحكمة ، من غير أن يكون فيه مفسدة ، وإمهال اللّه تعالى إيّاهم مظاهرة عليهم . ( 164 )
الفرق بين الحلم والإمهال : أنّ كلّ حلم إمهال ، وليس كلّ إمهال حلما ، لأنّ اللّه تعالى لو أمهل من أخذه لم يكن هذا الإمهال حلما ، لأنّ الحلم صفة مدح والإمهال على هذا الوجه مذموم ، وإذا كان الأخذ والإمهال سواء في الاستصلاح فالإمهال تفضّل ، والانتقام عدل ؛ وعلى هذا يجب أن يكون ضدّ الحلم السّفه ، إذا كان الحلم واجبا ، لأنّ ضدّه استفساد ، فلو فعله لم يكن ظلما ، إلّا أنّه لم يكن حكمة .
ألا ترى أنّه قد يكون الشّيء سفها ، وإن لم يكن ضدّه حلما ، وهذا نحو صرف الثّواب عن المستحقّ إلى غيره ، لأنّ ذلك يكون ظلما من حيث حرمة من استحقّه ، ويكون سفها من حيث وضع في غير موضعه ، ولو أعطي مثل ثواب المطيعين من لم يطع لم يكن ذلك ظلما لأحد ، ولكن كان سفها ، لأنّه وضع الشّيء في غير موضعه .