2 - فإذا طابقنا بين الآيتين نرى أنّ فيهما وعدا من اللّه ( 39 )
وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ ،
و ( 40 )
يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ،
والأوّل نصّ الوعد بلسان اللّه ، والثّاني خبر عنه بلسان موسى . وفي ذيل الثّانية وعد آخر من موسى أيضا
فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي . . .
فهل هذا نفس وعد اللّه نسبه موسى إلى نفسه ، لأنّه بلّغه إليهم ، أو هو وعد آخر وعدهم موسى من عند نفسه استلهاما من وعد اللّه ؟ لاحظ وع د :
« واعدنا وموعدي » .
3 - جاء حلول الغضب في الثّانية مرّة
يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ ،
وفي الأولى مرّتين
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي ،
في صورة قياس مركّب من صغرى وكبرى تأكيدا وتهويلا ، وهي الأصل للثّانية - كما سبق - فهي تعبير عن تلك فتضمن تلك التّأكيد والتّهويل أيضا .
وهذا عكس « الوعد » حيث جاء في الأولى مرّة ، وفي الثّانية مرّتين توافقا بين الوعد والغضب ، وإشعارا بإيفاء الوعد من اللّه من دون خلف ، نقضا لخلفهم في
فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي .
4 - اختلفت القراءة بكسر الحاء وضمّها في ( يحلّ ) ، وبكسر اللّام وضمّها في ( يحلل ) ومعناهما يجب وينزل - كما سبق - في ( 37 و 38 ) . قال الفرّاء في
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي :
« الكسر فيه أحبّ إليّ من الضّمّ » ، مستدلّا بأنّ معنى ( يحلّ ) بالضّمّ الوقوع ، وبالكسر الوجوب .
« وقد جاء التّفسير بالوجوب لا بالوقوع ، وكلّ صواب إن شاء اللّه . وفي قراءة ( ولا يحلّنّ عليكم غضبى ومن يحلل عليه ) مضمومة - إلى أن قال - فإذا قلت : حلّ بهم العذاب ، كانت يحلّ بالضّمّ لا غير ، فإذا قلت : ( على ) أو قلت : ( يحلّ لك ) كذا وكذا ، فهو بالكسر » .
وقد صوّب الطّبريّ القراءتين ، لأنّهما قراءتان مشهورتان ، وقال : « فسواء قرئ ذلك بالوقوع أو بالوجوب ، لأنّهم كانوا قد خوّفوا المعنيين كليهما » .
وذكر الطّبرسيّ في الحجّة على القراءتين - الكسر والضّمّ - ما حاصله في الكسر : أنّ « حلّ » بمعنى المباح خلاف « الحظر » ، فمعنى ( يحلّ عليكم ) : ينزل بكم وينالكم بعد ما كان ذا حظر وحجر ومنع ، وفي الضّمّ : أنّ الغضب لمّا تتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب ، فقال : ( يحلّ ) أي ينزل ، بمنزلة قولهم : « حلّ بالمكان » كما قال :
أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ
الرّعد : 31 ، فكما أخبر عن العذاب بأنّه يحلّ بهم ، كذلك أخبر عن الغضب بمثله ، وجعله بمنزلته ، لأنّه يتبعه ويتّصل به .
وقال الآلوسيّ : « أصله من الحلول ، وهو في الأجسام ، ثمّ استعير لغيرها ، وشاع حتّى صارت حقيقة فيه - إلى أن قال - : ووصف ذلك بالحلول ، حقيقة على بعض الاحتمالات ، ومجاز على بعض آخر » .
وقد حكى عن « الانتصاف » ما حاصله : أنّ وصفه بالحلول لا يتأتّى على تقدير أن يراد إرادة العقوبة ، ويكون بمنزلة قوله عليه السّلام : « ينزل ربّنا إلى السّماء الدّنيا » أي أثر ربّنا ، أو عبّر عن حلول أثر الإرادة بحلولها تعبيرا عن الأثر بالمؤثّر ، نظير أنظر إلى قدرة اللّه يعني أثر