للذّنوب ، وشكور للصّالحات ، ويعدّون إحلالهم ( دار المقامة ) من فضل اللّه ، لا عن استحقاق منهم . وفي المقابل سوء معاملة الفريق الثّاني حيث بدّلوا نعمة اللّه كفرا وكفرانا ، وأحلّوا قومهم دار البوار .
الصّنف الثّاني - وهو الحلول من المجرّد - أربع آيات :
الأولى ( 41 )
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
وفيها بحوث :
1 - ذكروا في معناها وجوها :
أحدها : عن ابن عبّاس : « أنت نازل بهذا البلد » ، وقال الطّوسيّ : « أي أنت فيه مقيم وهو محلّل ، والمعنى بذلك ، التّنبيه على شرف البلد بشرف من حلّ فيه من الرّسول الدّاعي إلى تعظيم اللّه وإخلاص عبادته ، المبشّر بالثّواب ، والمنذر بالعقاب ، ويقال : رجل حلّ أي حلال ، وقالوا : حلّ معناه حالّ أي ساكن » ونحوه الطّبرسيّ والبغويّ والميبديّ وغيرهم .
وقال ابن خالويه قبل الطّوسيّ : « حلّ في المكان ، إذا نزل فيه ، يحلّ حلولا فهو حالّ ، والمكان محلول فيه » .
وقال الماورديّ في رابع وجوه ذكرها : « وأنت حلّ ، أي نازل في هذا البلد ، لأنّها نزلت عليه وهو بمكّة ، لم يفرض عليه الإحرام ، ولم يؤذن له في القتال ، وكانت حرمة مكّة فيها أعظم والقسم بها أفخم » .
وقال ابن عطيّة : « قال بعض المتأوّلين : معناه حالّ ساكن بهذا البلد ، وعلى هذا يجيء قول من قال : هي مكّيّة ، والمعنى على إيجاب القسم بيّن - بأن يكون « لا » زائدة - وعلى نفيه أيضا يتّجه على معنى القسم ببلد أنت ساكنه على أذى هؤلاء القوم وكفرهم ، أي لا أقسم بمثل هذا البلد » .
وقال الفخر الرّازيّ : « المراد منه أمور ، أحدها :
وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حالّ به ، كأنّه تعالى عظّم مكّة من جهة أنّه عليه الصّلاة والسّلام مقيم بها » .
ونحوه النّيسابوريّ والبروسويّ ، وأضاف هذا :
« قيّد إقسامه بمكّة بحلوله عليه السّلام فيها إظهارا لمزيد فضله ، فإنّها بعد أن كانت شريفة بنفسها ، زاد شرفها بحلول النّبيّ العظيم الشّريف فيها ، فما لا شرف فيه يحصل له شرف بشرف المكين ، وما فيه شرف ذاتيّ يحصل له بشرف شرف زائد ، فمحلّ قدمي النّبيّ عليه السّلام كمكّة والمدينة وغيرهما ، ينبغي أن يحافظ على حرمته ، وقد سمّى عليه السّلام المدينة : طابة ، لأنّها طابت به وبمكانه ، وفيه تعريض لأهل مكّة ، بأنّهم لجهلهم يرون أن يخرجوا منها من به مزيد شرفها ، ويؤذوه » .
وهذا المعنى - كما قال أبو حيّان - هو الظّاهر ، لأنّ السّورة مكّيّة ، فهي وصف له عليه السّلام في الحال دون الاستقبال ، كما جاء في بعض الوجوه .
ثانيها - عن ابن عبّاس أيضا - : « أحلّ اللّه لك في هذا البلد ما لا يحلّ قبلك ولا بعدك . أحلّ اللّه له يوم دخل مكّة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء ، فقتل يومئذ ابن خطل صبرا ، وهو آخذ بأستار الكعبة ، فلم تحلّ لأحد من النّاس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقتل فيها حراما حرّمه اللّه . . . » ، وقاله كثير منهم .