تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 650

مساهمون:

ص٦٥٠
القدرة . وعندنا أنّ حلول الغضب بهم سواء كان حقيقة أو مجازا دالّ على اللّزوم والقرار ، مثل استقرار شيء في شيء ، فيفيد التّأكيد البليغ من غير فرق بين القراءتين . وكذلك حلول العذاب تأكيد للزومه . الموضع الثّالث الحلول في المكان ونحوه ، وآياته صنفان : صنف من باب الإفعال صريح في هذا المعنى ، وصنف من المجرّد مردّد بينه وبين غيره . والصّنف الأوّل آيتان : ( 43 و 44 ) إحداهما : فضل من اللّه للمؤمنين في الجنّة ، والأخرى : هلاك من قبل النّاس للكافرين في النّار ، فكلتاهما وصف للدّار الآخرة . فالأولى حكاية قول أهل الجنّة بعد دخولها :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
فاطر : 34 - 35 . والأخرى وصف لأهل النّار من الّذين أحلّوا قومهم دار البوار :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
إبراهيم 28 و 29 . وفيهما بحوث : 1 - قال الطّبرسيّ ( 3 : 312 ) : « الإحلال وضع الشّيء في محلّ إمّا بمجاورة إن كان من قبيل الأجسام ، أو بمداخلة إن كان من قبيل الأعراض » . وحيث إنّ الإحلال في الآيتين تعلّق بالمؤمنين والكافرين ، وبالجنّة والنّار ، فالإحلال فيهما من قبيل وضع الأجسام بمجاورة ، لا من قبيل وضع الأعراض بمداخلة ، وإن شئت قلت - نظرا إلى ما تقدّم في معنى الحلول - : إنّه في الآيتين حقيقة ، وليس مجازا . 2 - وكيف كان الأمر فالإحلال فيهما دالّ على النّزول اللّازم الّذي لا يزول ، ويومئ إليه
دارَ الْمُقامَةِ
في الأولى ، و
بِئْسَ الْقَرارُ
في الثّانية ، أي كلّ من الفريقين مستقرّ في الدّارين قرارا لازما ودائما . 3 - ( احلّ ) فيهما متعدّ إلى مفعولين ، والمفعول الأوّل فيهما ضمير ( نا ) و ( قومهم ) ، والمفعول الثّاني ( دار ) مضافة إلى ( المقامة ) و ( البوار ) ، فكلّ من الفريقين ينزل في دار تناسبه . فالدّاران تختلفان وتضادّان نعمة ونقمة ، وراحة وعذابا ، حسب حال الفريقين . 4 - أمّا الفاعل للفعل ( احلّ ) فمتفاوت تماما أيضا كالمفعولين ، فهو في الأولى الضّمير الرّاجع إلى ( الّذي ) أو هو وصف للّه ربّهم الموصوف بأنّه أذهب عنهم الحزن ، وأنّه غفور شكور ، وفي الثّانية الضّمير الرّاجع إلى
الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً .
5 - سياق الأولى نقلا عن المؤمنين حمد وثناء وشكر للّه وتفضّل منه عليهم ، ونفي للنّصب واللّغوب عنهم ، وسياق الثّانية عكس الأولى تماما ، فهي إنذار من اللّه للكافرين وتبديل نعمة اللّه وكفران وكفر منهم وبوار ، وقرار في جهنّم لهم . 6 - لاحظ حسن أدب الفريق الأوّل في جنب اللّه ؛ حيث يحمدون اللّه على نعمائه ويصفونه بأنّه غفور
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 650 | مجمع البحوث الاسلامية