وأصلها : تحللة .
2 - وهي إمّا بمعنى التّحليل ضدّ التّحريم ؛ إذ بها تحلّ ما حرّم باليمين ، أو بمعنى الانحلال ، لأنّها كفّارة اليمين وتنحلّ بها اليمين . وقد فسّروها بكفّارة أيمانكم ، فقيل :
إنّها إشارة إلى كفّارة الأيمان في سورة المائدة : 89
فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ،
ويؤيّدها قراءة ( كفّارة ايمانكم ، ) وهذا أحد معنيين لها عند الزّمخشريّ .
وثانيهما عنده : أنّها الاستثناء في اليمين بقوله : « إن شاء اللّه » عقيبها حتّى لا يحنث ، من قولك : « حلّل فلان في يمينه ، إذا استثنى فيها » .
واحتمل الفخر الرّازيّ أنّها بمعنى الشّيء القليل ، كما ورد في الحديث : « لن يلج النّار إلّا تحلّة القسم » أي زمانا يسيرا . ولكن هذا المعنى لا يستقيم في الآية ، والأوّل هو الأقرب ، كما روي أنّ النّبيّ أعتق رقبة وعاد إلى « مارية » وقد حرّمها عليه باليمين ، فأحلّ بالكفّارة ما حرّمه باليمين .
الموضع الرّابع : إحلال البيع ، لاحظ ب ي ع :
« البيع » ، و ، ر ب و : « تحريم الرّبا » .
المحور الثّاني : الحلول والإحلال جاءا في مواضع أيضا :
الموضع الأوّل : حلول العذاب آيتان ( 36 و 37 ) بلفظ واحد
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ *
وفيهما بحوث :
1 - أنّ الآيتين مكّيّتان ، جاءت الأولى في سورة هود نقلا عن نوح لقومه ، خلال آيات بدءا ب 25
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ . . . ،
وانتهاء ب 49
تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ . . . .
حيث قال : 39
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ .
وجاءت الثّانية في سورة الزّمر : 39 ، 40 ، نقلا عن نبيّنا عليه السّلام
قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ .
2 - كلتا الآيتين احتجاج منهما على قومهما بإزاء ما صدر منهم في حقّهما ، فقوم نوح كانوا يسخرون منه
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . . .
هود : 38 ، 39 .
وقوم النّبيّ عليه السّلام كانوا يخوّفونه بالأصنام اللّاتي كانوا يعبدونها :
وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
- إلى أن قال -
قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ . . .
الزّمر : 36 - 39 .
3 - هناك فرق بين الآيتين - مع وحدة لفظهما - في أنّ قوله :
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
في الأولى وقع صدرا للآية ، وفي الثّانية ذيلا لما قبلها ، ثمّ ابتدأت الآية بعدها ب
مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ ،
من غير فرق في المعنى ، فإنّ
مَنْ يَأْتِيهِ
مفعول ل ( تعلمون ) فيهما .
ولا نرى وجها لهذا الانفصال سوى رعاية رويّ الآيات في الزّمر حسب الأغلب ، ولا سيّما فيما قبلها :
الْمُتَوَكِّلُونَ .