وعليه فالآية تعني المستقبل دون الحال .
وعند الزّمخشريّ أنّها في ذلك نظير :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
الزّمر : 30 ، قال : « ومثله واسع في كلام العباد ، تقول لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبوّ ، وهو في كلام اللّه أوسع ، لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة . وكفاك دليلا قاطعا على أنّه للاستقبال ، وأنّ تفسيره بالحالّ محال ، أنّ السّورة بالاتّفاق مكّيّة ، وأين الهجرة عن وقت نزولها فما بال الفتح ؟ » .
وردّ عليه أبو حيّان بأنّ هذا لا يسأله من له أدنى تعلّق بالنّحو ، وأنّ اسم الفاعل ونحوه لا يتعيّن حمله على الحال ، بل يكون للماضي تارة ، وللحال أخرى ، وللمستقبل أخرى ، وأنّ قوله : « وكفاك دليلا قاطعا » ليس بشيء ، لأنّا حملناه على أنّه مقيم بها وقت النّزول ، لا على أنّه يحلّ لك ما تصنع فيها فيما بعد ، وأنّ ما حكاه من الاتّفاق على أنّها نزلت بمكّة فليس بصحيح . وقد حكي الخلاف فيها عن قول ابن عطيّة - إلى أن قال - :
« بل الظّاهر ما ذكرناه أوّلا من أنّه تعالى أقسم بها لما جمعت من الشّرفين : شرفها بإضافتها إلى اللّه تعالى ، وشرفها بحضور رسول اللّه وإقامته فيها ، فصارت أهلا لأن يقسم بها » .
ثالثها : الحلّ بمعنى الحلال أي أنّ الكفّار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرّمات ، ثمّ إنّهم مع ذلك ومع إكرام اللّه إيّاك بالنّبوّة يستحلّون إيذاءك ، ولو تمكّنوا منك لقتلوك ، فأنت حلّ لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك . قاله الفخر الرّازيّ ، وقال أبو مسلم الأصفهانيّ : « . . . وأنت حلّ فيه منتهك الحرمة مستباح العرض ، لا تحترم ، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك » .
وقال الزّمخشريّ : « أقسم سبحانه بالبلد الحرام وبما بعده على أنّ الإنسان خلق مخمورا في مكابدة المشاقّ والشّدائد - إلى أن قال - ومن المكابدة أنّ مثلك على عظم حرمتك يستحلّ بهذا البلد الحرام ، كما يستحلّ الصّيد في غير الحرم » .
وقال القمّيّ : « كانت قريش لا يستحلّون أن يظلموا أحدا في هذا البلد ، ويستحلّون ظلمك فيه » ، وقال عبده : « إنّ حلّا هنا بمعنى الحلال لا بمعنى الحلول ، أي إنّ أهل مكّة استحلّوا إيذاء الرّسول في البلد الأمين حتّى اضطرّوه إلى الهجرة » .
وقد روى الطّبرسيّ هذا المعنى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ، واختاره كثير منهم ، وهذا المعنى ينسجم أيضا مع كون السّورة مكّيّة ، ويحمل على الحال دون المستقبل كالوجه الأوّل .
رابعها : وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه ، تعظيما منك لهذا البيت لا كالمشركين الّذين يرتكبون فيه الكفر باللّه ، وتكذيب الرّسل . قاله الفخر الرّازيّ ، ويحمل أيضا على الحال .
وقد أضاف الفخر الرّازيّ وجها خامسا قريبا من الوجه الأوّل : « أي وأنت من حلّ هذه البلدة المعظّمة وأهل هذا البلد ، يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك