أبو حنيفة : إنّه اسم للمكان .
حجّة الشّافعيّ رضى اللّه عنه من وجوه :
الأوّل : أنّه عليه الصّلاة والسّلام أحصر بالحديبيّة ونحر بها ، والحديبيّة ليست من الحرم . قال أصحاب أبي حنيفة : إنّه إنّما أحصر في طرف الحديبيّة الّذي هو أسفل مكّة ، وهو من الحرم . قال الواقديّ : الحديبيّة على طرف الحرم على تسعة أميال من مكّة . أجاب القفّال رحمه اللّه في تفسيره عن هذا السّؤال ، فقال : الدّليل على أنّ نحر ذلك الهدي ما وقع في الحرم قوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
فبيّن تعالى أنّ الكفّار منعوا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن إبلاغ الهدي محلّه الّذي كان يريده ، فدلّ هذا على أنّهم نحروا ذلك الهدي في غير الحرم .
الحجّة الثّانية : أنّ المحصر سواء كان في الحلّ أو في الحرم فهو مأمور بنحر الهدي ، فوجب أن يتمكّن في الحلّ والحرم من نحر الهدي .
بيان المقام الأوّل : أنّ قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
يتناول كلّ من كان محصرا سواء كان في الحلّ أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك :
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
معناه فما استيسر من الهدي نحره واجب ، أو معناه فانحروا ما استيسر من الهدي . وعلى التّقديرين ثبت أنّ هذه الآية دالّة على أنّ نحر الهدي واجب على المحصر ، سواء كان محصرا في الحلّ أو في الحرم . وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذّبح في الحلّ والحرم ، لأنّ المكلّف بالشّيء أوّل درجاته أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادرا على إراقة الدّم حيث أحصر .
الحجّة الثّالثة : أنّ اللّه سبحانه إنّما مكّن المحصر من التّحلّل بالذّبح ، ليتمكّن من تخليص النّفس عن خوف العدوّ في الحال ، فلو لم يجز النّحر إلّا في الحرم وما لم يحصل النّحر لا يحصل التّحلّل بدلالة الآية . فعلى هذا التّقدير وجب أن لا يحصل التّحلّل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأنّ الموصل للنّحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف ، وكيف يؤمن بهذا الفعل مع قيام الخوف ، وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجّة أبي حنيفة رضى اللّه عنه من وجوه :
الأوّل : أنّ المحلّ بكسر عين الفعل عبارة عن المكان ، كالمسجد والمجلس ، فقوله :
حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
يدلّ على أنّه غير بالغ في الحال إلى مكان الحلّ ، وهو عندكم بالغ محلّه في الحال .
جوابه : المحلّ عبارة عن الزّمان ، وأنّ من المشهور أن محلّ الدّين هو وقت وجوبه .
الثّاني : هب أنّ لفظ المحلّ يحتمل المكان والزّمان ، إلّا أنّ اللّه تعالى أزال هذا الاحتمال بقوله :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
الحجّ : 33 ، وفي قوله :
هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ
المائدة : 95 ، ولا شكّ أنّ المراد منه الحرم ، فإنّ البيت عينه لا يراق فيه الدّماء .
جوابه : قال الشّافعيّ رضى اللّه عنه : كلّ ما وجب على المحرم في ماله من بدنة وجزاء هدي فلا يجزي إلّا في الحرم لمساكين أهله ، إلّا في موضعين : أحدهما : من ساق هديا