تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 626

مساهمون:

ص٦٢٦
الّذي أحصر فيه فيذبحه ويحلّ » . والدّليل على صحّة القول الأوّل أنّ المحلّ اسم لشيئين : يحتمل أن يراد به الوقت ، ويحتمل أن يراد به المكان ؛ ألا ترى أنّ محلّ الدّين هو وقته الّذي تجب المطالبة به ؟ وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لضباعة بنت الزّبير : « اشترطي في الحجّ وقولي محلّي حيث حبستني » فجعل المحلّ في هذا الموضع اسما للمكان . فلمّا كان محتملا للأمرين - ولم يكن هدي الإحصار في العمرة موقّتا عند الجميع وهو لا محالة مراد بالآية - وجب أن يكون مراده المكان ، فاقتضى ذلك أن لا يحلّ حتّى يبلغ مكانا غير مكان الإحصار ، لأنّه لو كان موضع الإحصار محلّا للهدي لكان بالغا محلّه بوقوع الإحصار ، ولأدّى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في الآية ، فدلّ ذلك على أنّ المراد بالمحلّ هو الحرم ، لأنّ كلّ من لا يجعل موضع الإحصار محلّا للهدي فإنّما يجعل المحلّ الحرم ، ومن جعل محلّ الهدي موضع الإحصار أبطل فائدة الآية وأسقط معناها . ومن جهة أخرى ، وهو أنّ قوله :
وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ
الحجّ : 30 ، إلى قوله :
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
الحجّ : 33 ، ودلالته على صحّة قولنا في المحلّ من وجهين : أحدهما عمومه في سائر الهدايا ، والآخر : ما فيه من بيان معنى المحلّ الّذي أجمل ذكره في قوله :
حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
فإذا كان اللّه قد جعل المحلّ البيت العتيق ، فغير جائز لأحد أن يجعل المحلّ غيره . ويدلّ عليه قوله في جزاء الصّيد :
هَدْياً بالِغَ
الْكَعْبَةِ
المائدة : 95 ، فجعل بلوغ الكعبة من صفات الهدي ، فلا يجوز شيء منه دون وجوده فيه . كما أنّه لمّا قال في الظّهار وفي القتل :
فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ
النّساء : 92 ، فقيّدهما بفعل التّتابع ، لم يجز فعلهما إلّا على هذا الوجه . وكذلك قوله :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
النّساء : 92 ، لا يجوز إلّا على الصّفة المشروطة . وكذلك قال أصحابنا في سائر الهدايا الّتي تذبح إنّها لا تجوز إلّا في الحرم . ويدلّ عليه أيضا قوله في سياق الخطاب بعد ذكر الإحصار :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
البقرة : 196 ، فأوجب على المحصر دما ونهاه عن الحلق حتّى يذبح هديه ، فلو كان ذبحه في الحلّ جائزا لذبح صاحب الأذى هديه عن الإحصار وحلّ به واستغنى عن فدية الأذى ، فدلّ ذلك على أنّ الحلّ ليس بمحلّ الهدي . فإن قيل : هذا فيمن لا يجد هدي الإحصار . قيل له : لا يجوز أن يكون ذلك خطابا فيمن لا يجد الدّم ، لأنّه خيّره بين الصّيام والصّدقة والنّسك ، ولا يكون مخيّرا بين الأشياء الثّلاثة إلّا وهو واجد لها ، لأنّه لا يجوز التّخيير بين ما يجد وبين ما لا يجد ، فثبت بذلك أنّ محلّ الهدي هو الحرم دون محلّ الإحصار . ومن جهة النّظر ، لمّا اتّفقوا في جزاء الصّيد أنّ محلّه الحرم وأنّه لا يجزي في غيره ، وجب أن يكون كذلك حكم كلّ دم تعلّق وجوبه بالإحرام ، والمعنى الجامع بينهما تعلّق وجوبهما بالإحرام .