مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ
النّساء : 77 ، وانظركم مقدار هذا القليل حتّى تعرف عظمة ذلك الكثير ، والبرهان العقليّ أيضا يطابقه ، لأنّ الدّنيا متناهية المقدار ، متناهية العدد ، متناهية المدّة ، والعلوم لا نهاية لمراتبها وعددها ومدّة بقائها ، والسّعادة الحاصلة منها ، وذلك ينبئك على فضيلة العلم ، والاستقصاء في هذا الباب قد مرّ في تفسير قوله تعالى :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
البقرة : 31 .
وأمّا الحكمة بمعنى فعل الصّواب ، فقيل في حدّها :
إنّها التّخلّق بأخلاق اللّه بقدر الطّاقة البشريّة ، ومداد هذا المعنى على قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « تخلّقوا بأخلاق اللّه تعالى » .
واعلم أنّ الحكمة لا يمكن خروجها عن هذين المعنيين ، وذلك لأنّ كمال الإنسان في شيئين : أن يعرف الحقّ لذاته ، والخير لأجل العمل به . فالمرجع بالأوّل إلى العلم والإدراك المطابق ، وبالثّاني إلى فعل العدل والصّواب . فحكي عن إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم قوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
وهو الحكمة النظريّة
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
الشّعراء : 83 ، الحكمة العمليّة . ونادى موسى عليه السّلام فقال :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
وهو الحكمة النّظريّة ، ثمّ قال :
فَاعْبُدْنِي
وهو الحكمة العمليّة . وقال عن عيسى عليه السّلام : إنّه قال :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
مريم : 30 ، الآية ، وكلّ ذلك للحكمة النّظريّة ، ثمّ قال :
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
مريم : 31 ، وهو الحكمة العمليّة ، وقال في حقّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
محمّد : 19 ، وهو الحكمة النّظريّة ، ثمّ قال :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
النّحل : 2 ، وهو الحكمة العمليّة ، وقال في جميع الأنبياء :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
النّحل : 2 ، وهو الحكمة النّظريّة : ثمّ قال :
فَاتَّقُونِ
النّحل : 2 ، وهو الحكمة العمليّة ، والقرآن هو من الآية الدّالّة على أنّ كمال حال الإنسان ليس إلّا في هاتين القوّتين .
قال أبو مسلم : الحكمة « فعلة » من الحكم ، وهي كالنّحلة من النّحل ، ورجل حكيم ، إذا كان ذا حجى ولبّ وإصابة رأي ، وهو في هذا الموضع في معنى الفاعل .
ويقال : أمر حكيم ، أي محكم ، وهو « فعيل » بمعنى « مفعول » ، قال اللّه تعالى :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
الدّخان : 4 ، وهذا الّذي قاله أبو مسلم من اشتقاق اللّغة يطابق ما ذكرناه من المعنى .
المسألة الثّانية : قال صاحب « الكشّاف » : قرئ ( ومن يؤتى الحكمة ) بمعنى : ومن يؤته الحكمة ، وهكذا قرأ الأعمش .
المسألة الثّالثة : احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ فعل العبد مخلوق للّه تعالى ، وذلك لأنّ الحكمة إن فسّرناها بالعلم لم تكن مفسّرة بالعلوم الضّروريّة ، لأنّها حاصلة للبهائم والمجانين والأطفال ، وهذه الأشياء لا توصف بأنّها حكم ، فهي مفسّرة بالعلوم النّظريّة . وإن فسّرناها بالأفعال الحسّيّة فالأمر ظاهر ، وعلى التّقديرين فيلزم أن يكون حصول العلوم النّظريّة والأفعال الحسّيّة ثابتا من غيرهم ، وبتقدير مقدّر غيرهم ، وذلك الغير ليس إلّا اللّه تعالى بالاتّفاق ، فدلّ