النّفي ، أي لا ابتغي حكما غير اللّه .
قال الكرمانيّ : والحكم أبلغ من الحاكم ، لأنّه من عرف منه الحكم مرّة بعد أخرى ، والحاكم اسم فاعل يصدق على المرّة الواحدة . وقال إسماعيل الضّرير :
الفرق بينهما أنّ الحكم لا يحكم إلّا بالحقّ ، والحاكم يحكم بالحقّ وبغير الحقّ . [ ثم نقل قول ابن عطيّة وأضاف : ]
وكأنّه إشارة إلى حكم اللّه عليهم بأنّهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم كلّ الآيات ، أو حكمه بأن جعل للأنبياء أعداء وحكما أي فاصلا بين الحقّ والباطل .
وجوّزوا في إعراب ( غير ) أن يكون مفعولا ب ( ابتغى ) و ( حكما ) حال وعكسه ، وأجاز الحوفيّ وابن عطيّة أن ينتصب على التّمييز عن غيرهم ، كقولهم : أنّ لنا غيرها إبلا ، وهو متّجه ، وحكاه أبو البقاء .
( 4 : 208 )
نحوه ملخّصا أبو السّعود ( 2 : 434 ) ، والبروسويّ ( 3 : 90 ) ، والآلوسيّ ( 8 : 8 ) .
ابن عاشور : والحكم ، الحاكم المتخصّص بالحكم الّذي لا ينقض حكمه ، فهو أخصّ من الحاكم ، ولذلك كان من أسمائه تعالى : الحكم ، ولم يكن منها الحاكم . وانتصب ( حكما ) على الحال ، والمعنى لا أطلب حكما بيني وبينكم غير اللّه الّذي حكم حكمه عليكم بأنّكم أعداء مقترفون . ( 7 : 11 )
فضل اللّه : ويطلق رسول اللّه صيحة الاستنكار لكلّ رموز الشّرك ، ليؤكّد موقفه التّوحيديّ للّه تعالى ، والرّادّ كلّ أمر مهما كان إليه تعالى ، كسنّة تقود العالم وتهديهم في مسيرة حياتهم كلّها ، ومن خلال هذا كلّه يطرح الحاكميّة الّتي تعتبر القاعدة الّتي يرتكز عليها التّوحيد ، لأنّها السّرّ العميق في روحيّة الاستسلام للّه ، لأنّها تعني أنّ الإنسان لا يستقلّ بأيّ فكر ، أو حركة أو عمل ، أو انتماء ، بل يرجع ذلك كلّه إلى اللّه ، فهو الحكم في كلّ شيء .
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
وما ذا يمثّل غير اللّه مهما كان نوعه من قوّة ؟ فاللّه هو القادر والقاهر والحكيم والخبير والخالق والعليم والمنعم ، فكيف أجعل غيره هو الحاكم في أيّ شيء وما ذا يملك غيره ؟ !
وليست هذه الكلمة كلمة رسول اللّه فقط ، إنّه لم يقلها ليعبّر عن موقفه الذّاتيّ ، بل ليعبّر عن موقف الرّسالة في موقفه ، فهي لكلّ إنسان مؤمن يريد أن يواجه قضايا الحياة ، ليقولها بقوّة أمام كلّ الّذين يريدون أن ينحرفوا به عن الطّريق الحقّ .
إنّ آيات اللّه هي أساس الفكر الّذي أحمله ، والعقيدة الّتي أعتنقها ، والمفاهيم الّتي أؤمن بها ، لا أمر لي مع أمره ، ولا حكم مع حكمه ، بل له الأمر كلّه ، والحكم كلّه ، ولكن كيف تكون حاكميّة اللّه في الحياة ؟ هل تطرح كشعار يتلاقفه الطّامحون ، ليعطوا لأنفسهم صلاحيّة الحكم باسم اللّه كممثّلين له على الأرض في ما يقولون ويدّعون ويخترعون من أفكار ، وفي ما يصدرون من أوامر ونواه . . . كما يحدث في كثير من أدوار التّاريخ ؟ أم هل تواجه كلّ حلّ واقعيّ للمشاكل الحياتيّة عندما يتقاتل النّاس ، أو يتخاصمون بكلمة « لا حكم إلّا للّه » ،