تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وتحاكم أبناء نزار بن معدّ بن عدنان إلى الأفعى الجرهميّ ، كما تقدّم في هذه السّورة . والضّميران في قوله :
مِنْ أَهْلِهِ
و
مِنْ أَهْلِها
عائدان على مفهومين من الكلام : وهما الزّوج والزّوجة ، واشترط في الحكمين أن يكون أحدهما من أهل الرّجل ، والآخر من أهل المرأة ، ليكونا أعلم بدخليّة أمرهما ، وأبصر في شأن ما يرجى من حالهما ، ومعلوم أنّه يشترط فيهما الصّفات الّتي تخوّلهما الحكم في الخلاف بين الزّوجين . قال ملك « 1 » : إذا تعذّر وجود حكمين من أهلهما فيبعث من الأجانب ، قال ابن الفرس : فإذا بعث الحاكم أجنبيّين مع وجود الأهل فيشبه أن يقال : ينتقض الحكم لمخالفة النّصّ ، ويشبه أن يقال : ماض بمنزلة ما لو تحاكموا إليهما . قلت : والوجه الأوّل أظهر ، وعند الشّافعيّة كونهما من أهلهما مستحبّ ، فلو بعثا من الأجانب مع وجود الأقارب صحّ . والآية دالّة على وجوب بعث الحكمين عند نزاع الزّوجين النّزاع المستمرّ المعبّر عنه بالشّقاق ، وظاهرها أنّ الباعث هو الحاكم ووليّ الأمر ، لا الزّوجان ، لأنّ فعل
فَابْعَثُوا
مؤذن بتوجيهما إلى الزّوجين ، فلو كانا معيّنين من الزّوجين لما كان لفعل البعث معنى . وصريح الآية : أنّ المبعوثين حكمان لا وكيلان ، وبذلك قال أئمّة العلماء من الصّحابة والتّابعين ، وقضى به عمر بن الخطّاب ، وعثمان بن عفّان ، وعليّ بن أبي طالب ، وقاله ابن عبّاس ، والنّخعيّ ، والشّعبيّ ، ومالك ، والأوزاعيّ ، والشّافعيّ ، وإسحاق . وعلى قول جمهور العلماء : فما قضى به الحكمان من فرقة أو بقاء أو مخالعة يمضي ، ولا مقال للزّوجين في ذلك ، لأنّ ذلك معنى التّحكيم . نعم ، لا يمنع هؤلاء من أن يوكّل الزّوجان رجلين على النّظر في شؤونهما ، ولا من أن يحكّما حكمين على نحو تحكيم القاضي . وخالف في ذلك ربيعة فقال : لا يحكم إلّا القاضي دون الزّوجين . وفي كيفيّة حكمهما وشروطه تفصيل في كتب الفقه . وتأوّلت طائفة قليلة هذه الآية على أنّ المقصود بعث حكمين للإصلاح بين الزّوجين ، وتعيين وسائل الزّجر للظّالم منهما ، كقطع النّفقة عن المرأة مدّة حتّى يصلح حالها ، وأنّه ليس للحكمين التّطليق إلّا برضا الزّوجين ، فيصيران وكيلين ، وبذلك قال أبو حنيفة ، وهو قول للشّافعيّ ، فيريد أنّهما بمنزلة الوكيل الّذي يقيمه القاضي عن الغائب . وهذا صرف للفظ الحكمين عن ظاهره ، فهو من التّأويل . والباعث على تأويله عند أبي حنيفة : أنّ الأصل أنّ التّطليق بيد الزّوج ، فلو رأى الحكمان التّطليق عليه وهو كاره كان ذلك مخالفة لدليل الأصل ، فاقتضى تأويل معنى الحكمين ، وهذا تأويل بعيد ، لأنّ التّطليق لا يطّرد كونه بيد الزّوج ، فإنّ القاضي يطلّق عند وجود سبب يقتضيه . ( 4 : 120 ) مكارم الشّيرازيّ : محكمة الصّلح العائليّة
هامش
( 1 ) كذا والظّاهر : مالك .