تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
إليه لرؤيته وتجربته ، والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزّوحين لينظرا في شكوى كلّ منهما ، ويتعرّفا ما يرجى أن يصلح بينهما ، ويترضوهما بالتّحكيم ، وإعطائهما حقّ الجمع والتّفريق . [ إلى أن قال : ] الأستاذ الإمام : الخطاب للمؤمنين ، ولا يتأتّى أن يكلّف كلّ واحد أو كلّ جماعة منهم ذلك ، ولذلك قال بعض المفسّرين : إنّ الخطاب هنا موجّه إلى من يمكنه القيام بهذا العمل ، ممّن يمثّل المسلمين وهم الحكّام . وقال بعضهم : إنّ الخطاب عامّ ، ويدخل فيه الزّوجان وأقاربهما ، فإن قام به الزّوجان أو ذو والقربى أو الجيران فذاك ، وإلّا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك . وكلا القولين وجيه ، فالأوّل يكلّف الحكّام ملاحظة أحوال العامّة ، والاجتهاد في إصلاح أحوالهم ، والثّاني يكلّف كلّ المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض ، ويعينه على ما تحسن به حاله . واختلفوا في وظيفة الحكمين ، فقال بعضهم : إنّهما وكيلان لا يحكمان إلّا بما وكّلا به . وقال بعضهم : إنّهما حاكمان . [ وذكر مذهب عليّ وابن عبّاس بالاختصار ، وسبقا تفصيلا ] وقوله :
إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
يشعر بأنّه يجب على الحكمين أن لا يدّخرا وسعا في الإصلاح ، كأنّه يقول : إن صحّت إرادتهما فالتّوفيق كائن لا محالة . وهذا يدلّ على نهاية العناية من اللّه تعالى في إحكام نظام البيوت الّذي لا قيمة له عند المسلمين في هذا الزّمان . وانظروا كيف لم يذكر مقابل التّوفيق بينهما وهو التّفريق عند تعيّنه ، لم يذكره حتّى لا يذكر به ، لأنّه يبغضه ، وليشعر النّفوس أنّه ليس من شأنه أن يقع . وظاهر الأمر أنّ هذا التّحكيم واجب ، لكنّهم اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : إنّه واجب ، وبعضهم : إنّه مندوب ، واشتغلوا بالخلاف فيه عن العمل به ، لأنّ عنايتنا بالدّين صارت محصورة في الخلاف والجدل ، وتعصّب كلّ طائفة من المسلمين لقول واحد من المختلفين ، مع عدم العناية بالعمل به ، فهاهم أولاء قد أهملوا هذه الوصيّة الجليلة ، لا يعمل بها أحد على أنّها واجبة ، ولا على أنّها مندوبة ، والبيوت يدبّ فيها الفساد ، فيفتك بالأخلاق والآداب ، ويسري من الوالدين إلى الأولاد . ( 5 : 77 ) نحوه المراغيّ . ( 5 : 31 ) ابن عاشور : والحكم - بفتحتين - الحاكم الّذي يرضى للحكومة بغير ولاية سابقة ، وهو صفة مشبّهة مشتقّة من قولهم : حكّموه فحكم ، وهو اسم قديم في العربيّة ، كانوا لا ينصبون القضاة ، ولا يتحاكمون إلّا إلى السّيف ، ولكنّهم قد يرضون بأحد عقلائهم يجعلونه حكما في بعض حوادثهم ، وقد تحاكم عامر بن الطّفيل وعلقمة بن علاثة لدى هرم بن سنان العبسيّ ، وهي المحاكمة الّتي ذكرها الأعشى في قصيدته الرّائيّة القائل فيها :
علقم ما أنت إلى عامر * النّاقض الأوتار والواتر