إنّ حكم سليمان كان ناسخا لحكم داود ، فقد حكم داود بما حكم به الأنبياء من قبله ، ولكنّ اللّه أوحى إلى سليمان أن كلّ غنم نفشت في زرع ، فليس لصاحب الزّرع إلّا ما خرج من بطونها ، وقيل : إنّ داود أراد أن يعرّف بني إسرائيل أنّ سليمان وصيّه من بعده ، فلم يختلفا في الحكم ، لأنّ داود لم يكن في مقام بيان الحكم الواقعيّ ، بل في مجال إظهار موقع سليمان في النّبوّة ، بالطّريقة الّتي توحي بالثّقة به .
ولكنّ الجوابين لا يخلوان من غموض ، لأنّ النّسخ لا يمنع خطأ داود في حكمه ، ولو بلحاظ هذه الحالة في هذا الزّمان ، كما أنّ الظّاهر من الآية أنّهما كانا ينطلقان من منطلق واحد ، فلا تباين ولا تعدّد أمام إظهار الخطأ ليبدو حكم سليمان في دائرة الصّواب ، فهذا لا يتناسب مع طبيعة الواقع ، باعتبار أنّ مجرّد اعتماد داود على سليمان ووضعه في موقع الحكم يمكن أن يؤدّي هذه المهمّة ، من دون الإساءة إلى مقام داود ، فإنّ مثل هذا الأسلوب يبعث على فقدان الثّقة بحكمه .
وربّما كان أساس الحكم واحدا في المسألة ، وهو ضمان صاحب الغنم للزّرع ، ولكن الاختلاف هو في طريقة تنفيذه ، فحكم داود برقابها لصاحب الحرث ، وحكم سليمان بما هو أرفق منه ، وهو أن يستوفي ما أتلفت من ماله من منافعها في تلك السّنة ، مع ملاحظة أنّ قيمة الزّرع تساوي قيمة رقاب الغنم ، كما أنّ قيمة الرّقبة تساوي منافعها المستوفاة في كلّ سنة عادة . وبذلك لم يختلفا في حكم اللّه وإنّما اختلفا في إجرائه في الدّائرة الّتي يملكان فيها الحرّيّة في التّطبيق ، في ما يكون مرجع الأمر فيه إلى رأي الحاكم في الموارد الّتي لا تشتمل على تشريع محدّد ، كما في موارد التّعزيرات وأمثالها من التّفاصيل الّتي تقع في منطقة الفراغ التّشريعيّ ، فيكون للحاكم أن يملأه بما يكون صالحا ، وبذلك يكون تفهيم اللّه لسليمان المسألة ، هو الإيحاء له بالأسلوب الأرفق في إجراء الحكم بالضّمان .
وقد لا يكون هناك أيّ مانع عقليّ في خطأ النّبيّ بهذا المستوى ، إذا كان ذلك لمصلحة أخرى ، في تربية نبيّ آخر على الحكم ، وإظهار فضله ، وإذا كان هذا النّبيّ الموعود ابنا للنّبيّ الأوّل ، وخاضعا له ومعترفا بفضله ، ممّا لا يبعث على الإساءة إليه . وقد لا يكون من الضّروريّ أن يكون في ذلك إساءة لموقعه لدى النّاس ، لأنّ النّاس قد اعتادوا على اختلاف الحاكمين في الحكم ، مع اعترافهم بأنّهما ينطلقان من علم ومعرفة ، لا سيّما إذا لم يكن هناك تشريع محدّد في تفاصيل الحكم ، بل كان الأمر تابعا لاجتهاد الحاكم وإن كان نبيّا .
وربّما لا نجد في أدلّة عصمة الأنبياء ما يفرض مثل هذه الدّقّة في صواب الحكم ، في ما لا يؤدّي إلى ترك الحكم الواقعيّ ، كما في مثل هذه الحالة الّتي جاء فيها الحكم على لسان سليمان ، مع موافقة داود عليه ، كما يبدو .
وإنّنا ندعو إلى دراسة المسألة من جديد ، على مستوى البحث القرآنيّ من خلال ما صوّره القرآن ، من الملامح العامّة لشخصيّة النّبيّ ، في ما يؤكّد بشريّته ، مع
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 274
مساهمون: مجمع البحوث الاسلامية
ص٢٧٤