تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
ويمكن الإجابة عن السّؤال الأوّل : أنّ المعيار كان جبران الخسارة ، فينظر داود إلى أنّ الخسارة الّتي أصابت الكرم تعادل قيمة الأغنام ، ولذلك حكم بوجوب إعطاء الأغنام لصاحب البستان جبرا للخسارة ، لأنّ التّقصير من جانب صاحب الأغنام . وينبغي الالتفات إلى أنّنا نقرأ في بعض الرّوايات : أنّ على صاحب الأغنام أن يمنع غنمه من التّعدّي على زرع الآخرين في اللّيل وفي النّهار ، كما أنّ من واجب صاحب الزّرع حفظ زرعه . أمّا معيار حكم سليمان فقد كان يرى أنّ خسارة صاحب البستان تعادل ما سينتفع به من الأغنام لسنة كاملة . بناء على هذا فإنّ الاثنين قد قضيا بالحقّ والعدل ، مع اختلاف أنّ حكم سليمان كان أدقّ ، لأنّ الخسارة لا تدفع مرّة واحدة في مكان واحد ، بل تؤدّى بصورة تدريجيّة بحيث لا تثقل على صاحب الغنم أيضا . وإضافة إلى ما مرّ ، فقد كان هناك تناسب بين الخسارة والجبران ، لأنّ جذور النّباتات لم تكن قد زالت ، بل ذهبت منافعها المؤقّتة ، ولذلك فإنّ من الأعدل ألّا تنقل أصول الأغنام إلى ملك صاحب البستان ، بل تنقل منافعها فقط . ونقول في جواب السّؤال الثّاني : لا شكّ أنّ حكم الأنبياء مستند إلى الوحي الإلهيّ ، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ وحيا خاصّا ينزل في كلّ مورد من موارد الحكم ، بل إنّ الأنبياء يحكمون حسب القواعد الكلّيّة الّتي تلقّوها من الوحي . بناء على هذا فإنّه لا توجد مسألة الاجتهاد النّظريّ بمعناها الاصطلاحيّ ، وهو الاجتهاد الظّنّيّ ، ولكن لا مانع من أن يكون هناك طريقان لإيجاد ضابطة كلّيّة ، وأن يكون نبيّان كلّ منهما يرى أحد الطّريقين ، وكلاهما صحيح في الواقع ، وكان الموضوع الّذي عالجناه في بحثنا على سبيل الإتّفاق من هذا القبيل ، كما بيّنّاه آنفا بتفصيل . وكما أشار القرآن إليه ، فإنّ الطّريق الّذي اختاره سليمان كان أقرب من النّاحية التّنفيذيّة . وجملة :
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
والّتي ستأتي في الآية التّالية ، شاهدة على صحّة كلا القضاءين . ونقول في جواب السّؤال الثّالث : لا يبعد أن يكون الأمر على هيئة تشاور ، وهو التّشاور الّذي يحتمل أن يكون لتعليم سليمان وتأهيله في أمر القضاء ، والتّعبير ب ( حكمهم ) شاهد أيضا على وحدة الحكم النّهائيّ ، بالرّغم من وجود حكمين مختلفين في البداية ، فتأمّلوا بدقّة . ونقرأ في رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام في تفسير الآية أنّه قال : لم يحكما ، إنّما كانا يتناظران . ويستفاد من رواية أخرى رويت في « أصول الكافيّ » عن الإمام الصّادق عليه السّلام : أنّ هذه القضيّة حدثت لتعيين وصيّ داود وخليفته ، وأن يتعلّم أولئك النّفر منهما أيضا . وعلى كلّ حال ، فإنّ الآية التّالية تؤيّد حكم سليمان في هذه القصّة على هذه الشّاكلة :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ ،
ولكن هذا لا يعني أنّ حكم داود كان اشتباها وخطأ ، لأنّها تضيف مباشرة
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً