وَعِلْماً
( 10 : 191 )
فضل اللّه : يشير اللّه إلى داود في قصّة حكمه وسليمان ، كنموذج للأنبياء الّذين كانوا يملكون النّفاذ إلى حياة النّاس في تفاصيلها اليوميّة ، من مواقع الامتيازات النّوعيّة في القوّة والقدرة ، وفي الخصائص الّتي خصّهم اللّه بها ؛ وذلك كجزء من التّصوّر العامّ الّذي يريد القرآن أن يتمثّله المؤمنون في مسألة النّبوّة والأنبياء ، ليقفوا حيث يريد اللّه منهم أن يقفوا في قضايا الغيب المحدودة ، فلا يتوسّعون إلى أبعد من ذلك في ما تثيره الأوهام ، ممّا قد يقترب إلى أجواء الخرافة ، كما يريد لهم أن يدرسوا الجوانب السّلبيّة في الأجواء المحيطة بهم ، كما يدرسون الجوانب الإيجابيّة في ذلك .
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ
في قضيّة تتعلّق بالزّرع أو الكرم ،
إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
فدخلت إلى الأرض المملوءة بالزّرع أو الشّجر ، وعبثت فيه حتّى أفسدته وأتلفت البعض منه ؛ وجاء أصحاب الحرث إلى داود وسليمان ، فاختلف داود وسليمان في الحكم في المسألة ، فقضى داود بالغنم لصاحب الزّرع ، ولمّا علم سليمان بذلك قال لأبيه : الأرفق بالرّجلين أن يأخذ صاحب الأرض الغنم لينتفع بها ، لا على سبيل الملك ، وأن يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها حتّى يعود الزّرع ، كما كان ، وعندها يترادّان فيأخذ هذا غنمه وذاك زرعه . فاستحسن داود حكم ولده وعمل به ،
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ
فقد كان حكم كلّ واحد منهما تحت رقابة اللّه وفي حضوره ، فهو الشّاهد على ما يصدر من خلقه ، سواء كانوا من الأنبياء أم غيرهم .
ولا مانع من الإتيان بضمير الجمع في مورد التّثنية باعتبار معنى الجمع ، فقد يرد ذلك في بعض الأساليب .
أمّا إعادة الضّمير إلى الأنبياء - كما قال به صاحب تفسير الميزان - ففيه غموض ، لعدم تقدّم ذكر لهم في مجال الحكم بصيغة الجمع ، من خلال الواقع الخارجيّ .
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
أي أوضحنا له الفهم الحقيقيّ للقضيّة أو للحكومة ، فكان قضاؤه أقرب إلى الحقّ من فهم داود ،
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
في ما ينطلقان به من توجيه النّاس إلى الحقّ في حياتهم العامّة والخاصّة ، وفي منازعاتهم واختلافاتهم للوصول إلى الموقف الصّواب ، لأنّ مهمّة الرّسول تتحرّك في خطيّن :
خطّ الوعي للحياة من خلال فكر يرفع به مستواها إلى الدّرجات العليا ، وخطّ العدل ، الّذي يحلّ المشاكل على صعيد الفرد والمجتمع . وبذلك كان العلم يمثّل قوّة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله في شخصيّته ، كما أنّ الحكم يؤكّد التزام العدل في حركته .
الآية في خطّ العصمة
وقد نستطيع أن نثير السّؤال كما أثاره الكثيرون ، كيف نفهم هذا الاختلاف بين سليمان وداود في فهم حكم الشّريعة في هذه القضيّة ، وكيف يصيب سليمان من حيث أخطأ داود مع أنّ مسألة العصمة في عقيدتنا في الأنبياء أساسيّة ، لا سيّما في مسألة التّبليغ للأحكام أو في مسألة التّطبيق في مقام القضاء .
وقد ورد في الجواب عن ذلك أكثر من وجه ، فقيل :