رضى المتحاكمين بحكم اللّه فقد مرّ في قوله تعالى :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
النّساء : 65 ، وبيّنّا وجوهه ، وسيأتي في قوله تعالى :
وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ
- إلى قوله -
بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
في سورة النّور : 48 - 50 .
وأمّا القضيّة الثّانية : فالمقصود بالقصر هنا المبالغة في الوصف بهذا الإثم العظيم المعبّر عنه مجازا بالكفر ، أو في بلوغهم أقصى درجات الكفر ، وهو الكفر الّذي انضمّ إليه الجور وتبديل الأحكام .
واعلم أنّ المراد بالصّلة هنا أو بفعل الشّرط إذ وقعا منفيّين ، هو الاتّصاف بنقيضهما ، أي ومن حكم بغير ما أنزل اللّه . وهذا تأويل ثالث في الآية ، لأنّ الّذي لم يحكم بما أنزل اللّه ولا حكم بغيره ، بأن ترك الحكم بين النّاس ، أو دعا إلى الصّلح . لا تختلف الأمّة في أنّه ليس بكافر ولا آثم ، وإلّا للزم كفر كلّ حاكم في حال عدم مباشرته للحكم ، وكفر كلّ من ليس بحاكم . فالمعنى : ومن حكم فلم يحكم بما أنزل اللّه . ( 5 : 115 )
الطّباطبائيّ : وأمّا قوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
المائدة : 47 ، فهو تشديد في الأمر المدلول عليه بقوله : « وليحكم » ، وقد كرّر اللّه سبحانه هذه الكلمة للتّشديد ثلاث مرّات : مرّتين في أمر اليهود ، ومرّة في أمر النّصارى باختلاف يسير ، فقال :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
المائدة : 44 ،
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
المائدة : 45 ،
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
المائدة : 47 ، فسجّل عليهم الكفر والظّلم والفسق .
ولعلّ الوجه في ذكر الفسق عند التّعرّض لما يرجع إلى النّصارى ، والكفر والظّلم فيما يعود إلى اليهود ، أن النّصارى بدّلوا التّوحيد تثليثا ، ورفضوا أحكام التّوراة بأخذ « بولس » دين المسيح دينا مستقلّا منفصلا عن دين موسى ، مرفوعا فيه الأحكام بالتّفدية ، فخرجت النّصارى بذلك عن التّوحيد وشريعته بتأوّل ، ففسقوا عن دين اللّه الحقّ . والفسق : خروج الشّيء من مستقرّه ، كخروج لبّ التّمرة عن قشرها .
وأمّا اليهود فلم يشتبه عليهم الأمر فيما عندهم من دين موسى عليه السّلام ، وإنّما ردّوا الأحكام والمعارف الّتي كانوا على علم منها ، وهو الكفر بآيات اللّه والظّلم لها .
والآيات الثّلاث - وذكرها - ، آيات مطلقة لا تختصّ بقوم دون قوم ، وإن انطبقت على أهل الكتاب في هذا المقام .
وقد اختلف المفسّرون في معنى كفر من لم يحكم بما أنزل اللّه ، كالقاضي يقضي بغير ما أنزل اللّه ، والحاكم يحكم على خلاف ما أنزل اللّه ، والمبتدع يستنّ بغير السّنّة ، وهي مسألة فقهيّة . الحقّ فيها أنّ المخالفة لحكم شرعيّ ، أو لأيّ أمر ثابت في الدّين في صورة العلم بثبوته والرّدّ له ، توجب الكفر ، وفي صورة العلم بثبوته مع عدم الرّدّ له ، توجب الفسق ، وفي صورة عدم العلم بثبوته مع الرّدّ له ، لا توجب كفرا ولا فسقا ، لكونه قصورا يعذر فيه ، إلّا أن يكون قصّر في شيء من