ابن عطيّة : اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ،
فقالت جماعة : المراد اليهود بالكافرين والظّالمين والفاسقين ، وروي في هذا حديث عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من طريق البراء بن عازب . وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم : الآية متناولة كلّ من لم يحكم بما أنزل اللّه ، ولكنّه في أمراء هذه الأمّه كفر معصية ، لا يخرجهم عن الإيمان .
وقيل لحذيفة بن اليمان : أنزلت هذه الآية في بني إسرائيل ؟ فقال : نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل ، إن كان لكم كلّ حلوة ولهم كلّ مرّة ، لتسلكنّ طريقهم قدّ الشّراك . [ ثمّ نقل كلام الشّعبيّ وقال : ] ولا أعلم بهذا التّخصيص وجها ، إلّا إن صحّ فيه حديث عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، إلّا أنّه راعى من ذكر مع كلّ خبر من هذه الثّلاثة ، فلا يترتّب له ما ذكر في المسلمين ، إلّا على أنّهم خوطبوا بقوله :
فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ .
( 2 : 196 )
الفخر الرّازيّ :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : المقصود من هذا الكلام تهديد اليهود في إقدامهم على تحريف حكم اللّه تعالى في حدّ الزّاني المحصن ، يعني أنّهم لمّا أنكروا حكم اللّه المنصوص عليه في التّوراة ، وقالوا : إنّه غير واجب ، فهم كافرون على الإطلاق ، لا يستحقّون اسم الإيمان لا بموسى والتّوراة ، ولا بمحمّد والقرآن .
المسألة الثّانية : قالت الخوارج : كلّ من عصى اللّه فهو كافر . وقال جمهور الأئمّة : ليس الأمر كذلك . أمّا الخوارج فقد احتجّوا بهذه الآية ، وقالوا : إنّها نصّ في أنّ كلّ من حكم بغير ما أنزل اللّه فهو كافر ، وكلّ من أذنب فقد حكم بغير ما أنزل اللّه ، فوجب أن يكون كافرا .
وذكر المتكلّمون والمفسّرون أجوبة عن هذه الشّبهة :
الأوّل : أنّ هذه الآية نزلت في اليهود فتكون مختصّة بهم ، وهذا ضعيف ، لأنّ الاعتبار بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب . ومنهم من حاول دفع هذا السّؤال فقال : المراد ومن لم يحكم من هؤلاء الّذين سبق ذكرهم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون ، وهذا أيضا ضعيف ، لأنّ قوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
كلام أدخل فيه كلمة ( من ) في معرض الشّرط ، فيكون للعموم .
وقول من يقول : المراد ومن لم يحكم بما أنزل اللّه من الّذين سبق ذكرهم ، فهو زيادة في النّصّ ، وذلك غير جائز .
الثّاني : قال عطاء : هو كفر دون كفر . وقال طاووس : ليس بكفر ينقل عن الملّة كمن يكفر باللّه واليوم الآخر ، فكأنّهم حملوا الآية على كفر النّعمة لا على كفر الدّين ، وهو أيضا ضعيف ، لأنّ لفظ الكفر إذا أقلق انصرف إلى الكفر في الدّين .
والثّالث : قال ابن الأنباريّ : يجوز أن يكون المعنى :
ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفّار ، ويشبه من أجل ذلك الكافرين ، وهذا ضعيف أيضا ، لأنّه عدول عن الظّاهر .
والرّابع : قال عبد العزيز بن يحيى الكنانيّ : قوله :
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
صيغة عموم ، فقوله
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ