ادّخر لها من الثّواب والعقاب ، كلّ ذلك واقعة خلف الإنسان أو بين يديه ، ولهذه المعقّبات الّتي ذكرها اللّه سبحانه شأن فيها بما أنّ لها تعلّقا بالإنسان .
والإنسان الّذي وصفه اللّه بأنّه لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، لا يقدر على حفظ شيء من نفسه ، ولا آثار نفسه الحاضرة عنده والغائبة عنه ، وإنّما يحفظها له اللّه سبحانه . قال تعالى :
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ
الشّورى : 6 ، وقال :
وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
سبأ : 21 ، وقال يذكر الوسائط في هذا الأمر :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ
الانفطار : 10 .
فلو لا حفظه تعالى إيّاها بهذه الوسائط الّتي سماّها حافظين تارة ومعقّبات أخرى ، لشمله الفناء من جهاتها ، وأسرع إليها الهلاك من بين أيديها ومن خلفها ، غير أنّه كما أنّ حفظها بأمر من اللّه عزّ شأنه ، كذلك فناؤها وهلاكها وفسادها بأمر من اللّه ، لأنّ الملك للّه ، لا يدبّر أمره ولا يتصرّف فيه إلّا هو سبحانه ، فهو الّذي يهدي إليه التّعليم القرآنيّ ، والآيات في هذه المعاني متكاثرة ، لا حاجة إلى إيرادها .
والملائكة أيضا إنّما يعملون ما يعملون بأمره ، قال تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ
النّحل : 2 ، وقال :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
الأنبياء : 27 .
ومن هنا يظهر أنّ هذه المعقّبات : الحفّاظ ، كما يحفظون ما يحفظون بأمر اللّه ، كذلك يحفظونه من أمر اللّه ، فإنّ جانب الفناء والهلاك والضّيعة والفساد بأمر اللّه ، كما أنّ جانب البقاء والاستقامة والصّحّة بأمر اللّه ، فلا يدوم مركّب جسمانيّ إلّا بأمر اللّه ، كما لا ينحلّ تركيبه إلّا بأمر اللّه ، ولا تثبت حالة روحيّة أو عمل أو أثر عمل إلّا بأمر من اللّه ، كما لا يطرقه الحبط ولا يطرأ عليه الزّوال إلّا بأمر من اللّه ، فالأمر كلّه للّه وإليه يرجع الأمر كلّه .
وعلى هذا فهذه المعقّبات كما يحفظونه بأمر اللّه كذلك يحفظونه من أمر اللّه ، وعلى هذا ينبغي أن ينزّل قوله في الآية المبحوث عنها :
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ .
( 11 : 308 )
فضل اللّه : وتدخل الآية ضمن حديث اللّه عن تدبيره لحياة الإنسان ، عبر قواعد وضوابط وقوانين تحكمها في ثلاث نقاط :
1 - إنّ اللّه قد جعل للإنسان في حياته عوامل وعناصر تحيط به من كلّ جوانبه ، وتتعاقب على مدار السّاعة ، بحيث يتّبع بعضها بعضا بشكل متواصل ، وهذا ما عبّر عنه بالمعقّبات الّتي تتناوب في حياته ، فلا تتركه وحده ،
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
بما يمثّله ذلك الأمر من أوضاع وأخطار تجرّها إليه سنن اللّه المودعة في الكون ، ممّا قد يهدم حياته ، ويهزم استقراره ، إذا واجهها وحده ، دون ما وفّره اللّه لصونه من عناصر الحماية والدّفاع في نفسه وجسده ؛ بحيث لا يشعر الإنسان بالقلق والضّياع أمام الكون الكبير المملوء بالأخطار والمهالك ، بل يشعر بالثّقة الكبيرة ، لما ركّبه اللّه في داخله من أجهزة ، وهيّأ له من أسباب ، وما أحاطه به من عناية ورعاية . فحسبه أنّه يتحرّك في أجواء الحفظ الشّامل من قبل اللّه . [ ثمّ أدام الكلام في النّقطتين الأخريين الرّاجعتين إلى ذيل الآية ]
( 13 : 27 )