اللَّهِ
بمعنى الباء ، مثلها في قوله تعالى :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
الشّورى : 45 ، أي بطرف خفيّ ، وفي ذلك رواية عن الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام .
وقال المفسّرون : المراد ب « المعقّبات » : الملائكة ، وفي بعض التّفاسير : أنّ اللّه يرسل عشرة من الملائكة بالنّهار يحرسون الإنسان ، وعند الغروب يذهب هؤلاء ، ويأتي عشرة آخرون يحرسونه باللّيل ، وهكذا يفعل مع كلّ فرد من أفراد الإنسان في كلّ يوم من الأيّام ، أمّا إبليس فيقوم بدور الغواية وتضليل الإنسان بالنّهار ، وأولاده باللّيل .
وبالإضافة إلى أنّ هذا بعيد عن دلالة اللّفظ ، فإنّ الأفهام والأذواق ترفضه وتأباه ، والّذي نتصوّره نحن أنّ المراد ب « المعقّبات » : حواسّ الإنسان وغرائزه الّتي بها يحفظ وجوده وكيانه - كما أشرنا - وأنّ المعنى : أنّ اللّه سبحانه خلق الإنسان ، وجعل فيه السّمع والبصر والإدراك وغيرها من الصّفات والغرائز لتحرسه وتصونه . وهذا المعنى وإن كان بعيدا عن دلالة اللّفظ ، فإنّه يتّفق مع الواقع ، ولا ينفيه السّياق ، فبالإدراك يميّز الإنسان بين النّافع والضّارّ ، وبالبصر يعرف طريق السّلامة ، وبحبّ الذّات يتحفّظ من المهلكات . ( 4 : 385 )
الطّباطبائيّ : ظاهر السّياق أنّ الضّمائر الأربع ( له ) ( يديه ) ( خلفه )
يَحْفَظُونَهُ
مرجعها واحد ، ولا مرجع يصلح لها جميعا إلّا ما في الآية السّابقة ، أعني الموصول في قوله :
مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ
إلخ ، فهذا الإنسان الّذي يعلم به اللّه سبحانه في جميع أحواله هو الّذي له معقّبات من بين يديه ومن خلفه .
وتعقيب الشّيء إنّما يكون بالمجيء بعده والإتيان من عقبه ، فتوصيف المعقّبات بقوله :
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
إنّما يتصوّر إذا كان سائرا في طريق ، ثمّ طاف عليه المعقّبات حوله . وقد أخبر سبحانه عن كون الإنسان سائرا هذا السّير بقوله :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
الانشقاق : 6 ، وفي معناه سائر الآيات الدّالّة على رجوعه إلى ربّه ، كقوله :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يس : 83 ،
وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ
العنكبوت : 21 ، فللإنسان وهو سائر إلى ربّه معقّبات تراقبه من بين يديه ومن خلفه .
ثمّ من المعلوم من مشرب القرآن أنّ الإنسان ليس هو هذا الهيكل الجسمانيّ والبدن المادّيّ فحسب بل هو موجود تركّب من نفس وبدن ، والعمدة فيما يرجع إليه من الشّؤون هي نفسه ، فلها الشّعور والإرادة ، وإليها يتوجّه الأمر والنّهي ، وبها يقوم الثّواب والعقاب والرّاحة والألم والسّعادة والشّقاء ، وعنها يصدر صالح الأعمال وطالحها ، وإليها ينسب الإيمان والكفر وإن كان البدن كالآلة الّتي يتوسّل بها في مقاصدها ومآربها .
وعلى هذا يتّسع معنى ما بين يدي الإنسان وما خلفه ، فيعمّ الأمور الجسمانيّة والرّوحيّة جميعا ، فجميع الأجسام والجسمانيّات الّتي تحيط بجسم الإنسان مدى حياته بعضها واقعة أمامه وبين يديه وبعضها واقعة خلفه ، وكذلك جميع المراحل النّفسانيّة الّتي يقطعها الإنسان في مسيره إلى ربّه ، والحالات الرّوحية الّتي يعتورها ويتقلّب فيها من قرب وبعد ، وغير ذلك ، والسّعادة والشّقاء ، والأعمال الصّالحة والطّالحة ، وما