تعالى : ( والمحصنات . . . ) وهذا قول يرجع إلى ما قد ذكر من الأقوال .
وأسند الطّبريّ أنّ رجلا قال لسعيد بن جبير : أما رأيت ابن عبّاس حين سئل عن هذه الآية
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ
فلم يقل شيئا ؟ فقال سعيد :
كان ابن عبّاس لا يعلمها .
وأسند أيضا عن مجاهد أنّه قال : لو أعلم من يفسّر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل ، قوله :
( والمحصنات ) إلى قوله : ( حكيما ) .
ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عبّاس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول ؟
وروي عن ابن شهاب أنّه سئل عن هذه الآية
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ،
فقال : يروى أنّه حرّم في هذه الآية ذوات الأزواج والعفائف من حرائر ومملوكات ، ولم يحلّ شيئا من ذلك إلّا بالنّكاح أو الشّراء والتّملّك .
وهذا قول حسن عمّم لفظ الإحصان ولفظ ملك اليمين ، وعلى هذا التّأويل يتخرّج عندي قول مالك في « الموطّأ » فإنّه قال : « هنّ ذوات الأزواج » ، وذلك راجع إلى أنّ اللّه حرّم الزّنى ، ففسّر الإحصان بالزّواج ، ثمّ عاد عليه بالعفّة . [ ثمّ ذكر القراءات ] ( 2 : 34 )
الفخر الرّازيّ : واعلم أنّ لفظ الإحصان جاء في القرآن على وجوه : [ فذكر نحو الواحديّ إلّا أنّه قال : ]
ورابعها : كون المرأة ذات زوج ، يقال : امرأة محصنة ، إذا كانت ذات زوج ، وقوله :
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ
يعني ذوات الأزواج ، والدّليل على أنّ المراد ذلك أنّه تعالى عطف ( المحصنات ) على المحرّمات فلا بدّ وأن يكون الإحصان سببا للحرمة ، ومعلوم أنّ الحرّيّة والعفاف والإسلام لا تأثير له في ذلك ، فوجب أن يكون المراد منه المزوّجة ، لأنّ كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرّمة على الغير .
واعلم أنّ الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصليّ اللّغويّ ، وهو المنع ، وذلك لأنّا ذكرنا أنّ الإحصان عبارة عن المنع ، فالحرّيّة سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه ، والعفّة أيضا مانعة للإنسان عن الشّروع فيما لا ينبغي ، وكذلك الإسلام مانع من كثير ممّا تدعو إليه النّفس والشّهوة ، والزّوج أيضا مانع للزّوجة من كثير من الأمور ، والزّوجة مانعة للزّوج من الوقوع في الزّنى ، ولذلك قال عليه الصّلاة والسّلام : « من تزوّج فقد حصّن ثلثي دينه » فثبت أنّ المرجع بكلّ هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللّغويّ ، واللّه أعلم . [ وله بحث فقهيّ مستوفى ، فلاحظ ] ( 10 : 39 )
أبو حيّان : الإحصان : التّزوّج أو الحرّيّة أو الإسلام أو العفّة . وعلى هذه المعاني تصرّفت هذه اللّفظة في القرآن ، ويفسّر كلّ مكان بما يناسبه منها . لاحظ م ل ك :
« ملكت » . ( 3 : 214 )
أبو السّعود : [ ذكر القراءات ثمّ قال نحو الواحديّ ]
( 2 : 120 )
نحوه البروسويّ ( 2 : 188 ) ، والآلوسيّ ( 5 : 2 ) .
الطّباطبائيّ : ( المحصنات ) بفتح الصّاد اسم مفعول من الإحصان ، وهو المنع ، ومنه الحصن الحصين ،