الأصول اللّغويّة
1 - الأصل في هذه المادّة : الحرى ، أي الجانب والنّاحية ؛ والجمع : أحراء ، وهو الحراة أيضا . يقال :
اذهب فلا أرينّك بحراي وحراتي ، ونزل بحراه وعراه :
نزل بساحته ، ولا تطر حرانا : لا تقرب ما حولنا .
والحرى : الخليق ، لأنّه ممّا يلزم الحرى . يقال :
بالحرى أن يكون ذلك ، وإنّه لحرى بكذا وحر وحريّ ، وإنّه لحريّ الأثر : عظيم الأثر . ويقال في التّعجّب :
ما أحراه ! وأحربه .
والمحراة : المقمنة ، أي المخلقة والمجدرة ، يقال :
إنّه لمحراة أن يفعل ، وهذا الأمر محراة لذلك .
وحرى أن يكون ذلك : عسى ، وهو رجاء الجانب ، ومنه : التّحرّي : القصد والاجتهاد في الطّلب ، لأنّه يتحرّى الحرى ، أي الجانب . يقال : فلان يتحرّى الأمر ، أي يتوخّاه ويقصده ، وتحرّى بالمكان : تمكّث ، وفلان يتحرّى مسرّتي ، ويتحرّى بكلامه وأمره الصّواب ، أي يتعمّده .
والحري : النّقص ، كأنّه لزوم الحرى والقصور عليه .
يقال : حرى الشّيء يحرى حريا ، أي نقص ، وحرى الحمل يحري : صغر وهزل ، وحرت النّاقة : صغرت .
وأحراه الزّمان : نقصه .
ومنه : الحارية : الأفعى الّتي قد كبرت ونقص جسمها من الكبر ، ولم يبق إلّا رأسها ونفسها وسمّها ، والحاري : الذّكر .
2 - والحروة والحراوة : حرافة تكون في طعم ، نحو الخردل وما أشبهه . يقال : إنّي لأجد لهذا الطّعام حروة وحراوة ، أي حرارة ؛ وذلك من حرافة شيء يؤكل ، ولهذا الكحل حراوة ومضاضة في العين . والحروة :
الرّائحة الكريهة في الخياشيم .
وكلّ ذلك من « ح ر و » وليس من « ح ر ي » ، لظهور الواو في مشتقّاتها ، وجاءت الحروة في العبريّة بلفظ « حاراه » .
الاستعمال القرآنيّ
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً
الجنّ : 14
يلاحظ : أنّ الآية من جملة قول الجنّ بشأن القرآن ، ابتداء من أوّل السّورة
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
إلى 13 و 15 ،
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً * وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً
وفيها بحوث :
1 - قالوا في معنى ( تحرّوا ) : نووا ، أمّوا ، تعمّدوا وترجّوا ، قصدوا ، طلبوا ، طلبوا باجتهادهم ، توجّهوا ، توخّوا ، توخّوا وقصدوا مجتهدين ، توجّهوا بالتّحقيق والتّوجّه الصّادق .
ومعلوم أنّها متقاربة إلّا أنّ في بعضها الطّلب بجدّ واجتهاد وتعمّد وتحقيق ، وهذا قريب ممّا قاله النّسفيّ وغيره : « التّحرّي : طلب الأحرى ، أي الأولى والأليق » .
ويناسبه صيغة « التّفعّل » المفيدة للجدّ والصّعوبة ، مثل « التّكسّب » أي الكسب بجدّ وتكلّف وصعوبة . وعليه