وفي الحديث : « من تحرّى القصد خفّت عليه المؤن » أي من طلب القصد في الأمور كان كذلك .
وفيه : « التّحرّي يجزئ عند الضّرورة » أعني طلب ما هو الأحرى في الاستعمال في غالب الظّنّ . ومنه :
« التّحرّي في الإنائين » .
وفيه : « إنّك حريّ أن تقضي حاجتك » أي جدير وخليق بذلك .
وقد تكرّر فيه ذكر الحروريّ والحروريّة - بضمّ الحاء وفتحها - وهم طائفة من الخوارج ، نسبوا إلى حروراء - بالمدّ والقصر - موضع بقرب من الكوفة ، كان أوّل مجتمعهم وتحكيمهم فيه ، وهم أحد الخوارج الّذين قاتلهم عليّ عليه السّلام ، وكان عندهم من التّشدّد في الدّين ما هو معروف .
وفي الحديث : « الحروريّ هو الّذي يبرأ من عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ويشهد عليه بالكفر » . ( 1 : 98 )
مجمع اللّغة : التّحرّي هو الاجتهاد في تعرّف ما هو أولى وأحقّ ؛ تحرّى الشّيء تحرّيا . ( 1 : 252 )
محمّد إسماعيل إبراهيم : حرى الشّيء يحريه :
قصده ، وتحرّى : اجتهد في طلب ما هو أحقّ وأولى ، وتحرّى الأمر : توخّاه وقصد أفضله . ( 1 : 130 )
المصطفويّ : والتّحقيق : أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة ، هو حالة الاعتدال الحاصلة بعد إفراط أو زيادة أو بعد أو تجاوز . وهذا المعنى يتفاوت باختلاف موارده وخصوصيّات مصاديقه .
فتستعمل تارة بمناسبة في مفهوم الرّجوع ، وتارة بمعنى النّقصان ، وتارة بمعنى القرب باعتبار الخروج عن الإفراط والبعد والزّيادة وقربه من الاعتدال ، وتارة بمعنى القصد فإنّ القصد في الأمر هو التّوسّط والاعتدال والاختيار بالخروج عن الإفراط .
ويقال : الحارية للأفعى الّتي قد نقص جسمها بعد الكبر ، وأحراه ، أي أنقصه . وحرى الرّجل : ما حوله ؛ وذلك باعتبار ما يناسبه وما يقرب منه . والحريّ هو الأحقّ والخليق والمناسب ؛ وذلك باعتبار مفهوم الاعتدال .
وأمّا الحروة بمعنى الحرارة والحدّة في طعم ما يؤكل ، فالظّاهر أنّ استعمال اللّفظ في هذا المفهوم في مورد كان المطعوم في طرف الإفراط من الحدّة والحرقة كالفلفل وأمثاله ، ثمّ يوجد في المذاق منه طعم معتدل .
وأمّا التّحرّي فهو « تفعّل » للقبول ، أي التّوسّط والتّقرّب من الاعتدال وصيرورته في حالة معتدلة ، وهذه الحالة تقتضي طلب ما هو حريّ وخليق . ويقال :
تحرّى فيه ، أي طلب وقصد شيئا ، وتحرّى عنه ، أي فتّش عن أمر .
ويدلّ على ما فسّرناه من معنى المادّة : مفهوم مادّة « رحي » وهو الحومة والدّائرة والجماعة ، ومفهوم الرّيح والرّاحة ، ومفهوم الحور ، أي الرّجوع . ( 2 : 220 )
النّصوص التّفسيريّة
تحرّوا
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً .
الجنّ : 14