وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء ، قلتم : هذه صبّارة القرّ ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ ، فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون ، فأنتم واللّه من السّيف أفرّ » نهج البلاغة - الخطبة : 27 .
رابعا : ذكرت في ( 7 ) الظّلال وأكنان الجبال والسّرابيل كنعم أنعم اللّه بها على الإنسان ، وقد بدأ بعدّها من أوائل سورة النّحل ، وانتهى بها إلى هذه الآية .
وكما أنّ السّرابيل - أي الثّياب - تقي الإنسان من حرّ الصّيف ، فكذلك تقيه من برد الشّتاء ، إلّا أنّه ذكر الحرّ هنا دون البرد ، فما هو سرّ ذلك ؟
قالوا : اكتفى بذكر أحدها عن ذكر الآخر ، لأنّ ما وقي من الحرّ وقي من البرد ، وهو معلوم لهم فسكت عنه ، لأنّهم كانوا أصحاب حرّ فذكر ما عرفوا مكروهه ، وذكر الحذر من حرّ جهنّم والتّوقّي لاستحقاقها بالكفّ عن المعاصي ، أو لأنّه قد تقدّم في صدر السّورة ( 5 ) :
فِيها دِفْءٌ
وهو يغني عن ذكر البرد هنا .
ونضيف أنّه متناسق لما قبله في صدر الآية
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا . . .
فالظّلّ مطلوب فرارا من حرّ الشّمس ، وهو يرمز إلى البرد .
وأيضا لعلّ سراويلهم كانت تقيهم من الحرّ فقط ، لكونها رقيقة فلا يكفي عطف « البرد » عليه . ولو أريد الوقاية من البرد أيضا لقال : « وسراويل تقيهم البرد » كما قال : ( وسراويل تقيهم بأسهم ) ، فإنّ لكلّ واحد من الحرّ والبرد والبأس سراويل خاصّة .
خامسا : استعمل القرآن الحرّ نقيضا للبرد بألفاظ أخرى تدلّ عليه :
1 - النّار والبرد :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
الأنبياء : 69 .
2 - الحميم والبرد :
لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً
النّبأ : 24 ، 25 .
3 - اليحموم والبرد :
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ
الواقعة : 43 ، 44 .
كما استعملا معا بلفظي الشّمس والزّمهرير اللّذين يدلّان عليهما أيضا :
مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً
الدّهر : 13 .
راجع ( ب ر د ) ، و ( ح م م ) ، و ( ز م ه ر ) ، و ( ش م س ) ، و ( ن ور ) ، و ( ظ ل ل ) .
سادسا : أنّ المفسّرين ذكروا للحرور في ( 8 ) معاني كثيرة ، فمنهم من فسّره بالحرّ الدّائم ليلا ونهارا ، أو باللّيل فقط ، ومنهم من أسنده إلى الرّيح ، أي الرّيح الحارّة تهبّ باللّيل ، وقد تكون بالنّهار - وهذا ما ورد في اللّغة كما رأيت - ومنهم من خصّه بالشّمس ، أي شدّة حرّها ، ومنهم من عمّه على السّموم ، فقال : هو السّموم بالنّهار ، أو باللّيل والنّهار . ومنهم من أوّله بالنّار ، أو البهائم ، أو الباطل ، أو الكافر ، أو العقاب ، وهو نهج بعض المتقدّمين .
سابعا : قال قطرب : « الحرور : الحرّ ، والظّلّ :
البرد » ، وهو أقرب الأقوال محاكاة لنظم الآيات السّابقة واللّاحقة طباقا ، فقد جاء في الآيات السّابقة لها في هذه السّورة « 1 » :
1 - الإمساك والإرسال :
وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ
هامش
( 1 ) فاطر .