والأماكن المختصّة بعبادته تعالى ، في زمان كان فيه تحت ولاية الأبوين لولا التّحرير » .
ثالثا : نحن لا ندري ما هو الحال الآن عند النّصارى ، هل يخصّون بالنّذر وغيره ولدا أو بنتا بالكنيسة كالسّيّدة مريم ، أو بدّلوه بما هو متعارف عندهم من رهبانيّة البنات ؟
رابعا : ذكر السّمين في نصب ( محرّرا ) وجوها : إنّه حال من الموصول ( ما في بطني ) أو من الفاعل المستتر في صلته ، أي الكائن في بطني ، أو مفعول مطلق لفعل ( نذرت ) أي نذرت نذر تحرير ، أو لفعل محذوف من مادّته ، أي نذرت وحرّرت ما في بطني تحريرا ، أو وصف لمفعول محذوف أي غلاما محرّرا .
أو هو مصدر ، لأنّ المصدر قد يأتي على زنة اسم المفعول من غير الثّلاثيّ ، ومنه
وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
سبأ : 19 ، و
وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ
الحجّ : 18 ، على قراءة فتح الرّاء .
وقال طنطاوي : « أي جعلت الحمل الّذي في بطني نذرا محرّرا منّي لك ، وهذا بيان للمعنى لا للّفظ . وأوّل الوجوه أوجهها .
خامسا : جاء ( محرّرا ) مذكّرا ، وقد أنّث الضّمير الرّاجع إليه بعده
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
لأنّها كانت تعتقد أنّ ما في بطنها ذكر ، ولهذا لمّا وضعتها أنثى قالت تحزّنا وتأسّفا على ما فاتها من الولد :
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى
فجاء مؤنّثا وفقا للأمر الواقع .
سادسا : جاء ( ما في بطني ) بدل « من في بطني » لأنّ ما حملته حين ذاك لم يكن عاقلا ، بل كان شيئا من الأشياء ، أو أنّ ( ما ) مبهمة تقع على كلّ شيء ، فجاز أن تقع موقع ( من ) وله في القرآن نظائر .
سابعا : واستنتج منها سيّد قطب - كعادته - في كلام طويل أنّ من تحرّر من كلّ عبوديّة لكلّ أحد ، ولكلّ شيء ولكلّ قيمة ، فلا تكون عبوديّته إلّا للّه وحده ، فهذا هو التّحرير ، وما عداه عبوديّة ، وإن تراءت في صورة الحرّيّة ، وأنّ التّوحيد هو الصّورة المثلى لهذا التّحرير .
وما قاله موافق لبعض ما قيل في معنى المحرّر » .
وأمّا الحرّ فجاء مرّتين في ( 5 ) :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ .
ويلاحظ أوّلا : أنّ هذه الآية تفصح عن التّصنيف الطّبقيّ لمجتمع الجزيرة العربيّة الّذي كان يسود النّاس في صدر الإسلام ، فهم آنذاك طبقتان متمايزتان : الأحرار والعبيد . وأمّا الأنثى فهي جنس ينضوي تحت إحدى الطّبقتين ، فهي إمّا حرّة وإمّا أمة ، وذكرت استطرادا لبيان حكمها . وينبئ هذا التّرتيب في الآية بانحطاط رتبتها في ذلك الزّمان ، فهي تلي العبد الذّكر ، كما تلي الحرّ الذّكر ، وهذا ما يلحظ في كلّ القرآن حين يعكس الرّؤية الغالبة حين ذاك ، إلّا قوله تعالى :
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
الشّورى : 49 ، حيث قدّم الإناث وأخّر الذّكور ، تبيانا لما عند اللّه عكس ما كان عند النّاس .
ثانيا : ترمي الآية من وراء هذا التّصنيف إلى إشاعة الحرّيّة ونبذ العبوديّة ، فمنعت أن يقتل حرّ بعبد لجلالة الأوّل وخساسة الثّاني ، ومنعت أيضا أن يقتل عبد بحرّ ، لعدم تكافؤ دمائهما . وهذا حثّ للمؤمنين على الاحتفاظ بحرّيّاتهم وعدم التّفريط بها ، لأنّ الخطاب موجّه إليهم ،