الجنّة فيها دون سائر الثّياب ، في سور مكّيّة ومدنيّة ، وقد اجتمعت في سورة الدّهر المدنيّة :
الحرير :
وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً :
12
السّندس والإستبرق :
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ :
21
وأعدّت هذه الثّياب جميعا للّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وللأبرار ، وأعدّ الحرير وحده لمن اصطفاهم اللّه من عباده وللّذين آمنوا وعملوا الصّالحات خاصّة ، كما تقدّم . لاحظ : « إستبرق ، وسندس ، وخضر » .
رابعا : أوّل ابن عربيّ - كعادته - التّحلية بالزّينة هنا بأنّها صور كمالات الأخلاق والفضائل والأحوال والمواهب ، والأعمال المصوغة من ذهب العلوم ولؤلؤ المعارف ، والحقائق الكشفيّة الذّوقيّة .
خامسا : لمّا خصّ الحرير في الآيتين بلباس أهل الجنّة جاءت في السّنّة حرمة لبس الحرير والصّلاة فيه للرّجال في الدّنيا ، ولفقهاء المذاهب فيه تفصيل أخذا ممّا جاء في السّنّة ، كما سبق في النّصوص .
سادسا : نبّه الآلوسيّ على سرّ تغيير الأسلوب في الآيتين ؛ حيث قال :
وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ *
ولم يقل :
« ويلبسون فيها حريرا » ، « فقيل : للإيذان بأنّ ثبوت اللّباس أمر محقّق غنيّ عن البيان ؛ إذ لا يمكن عراؤهم عنه . وإنّما المحتاج إلى البيان أنّ لباسهم ما ذا ؟ بخلاف الأساور واللّؤلؤ ، فإنّها ليست من اللّوازم الضّروريّة ، ولذا لا يلزم العدل بين الزّوجات فيها ، فجعل بيان تحليتهم مقصودا بالذّات ، ولعلّ هذا هو الباعث على تقديم التّحلية على بيان حال اللّباس » .
ونضيف إليه أنّ تغيير الأسلوب وكذا تأخير اللّباس كلاهما لرعاية الرّويّ ؛ ولدخول الحرير في الحلية ؛ إذ لو قال : « ويلبسون حريرا » لخالف الرّويّ ، ولكان عطفا على ( يحلّون ) خارجا عن الحلية . وأمّا في هذا الأسلوب فالحرير يعدّ لباسا وحلية معا .
سابعا : جاء في ( 11 )
جَنَّةً وَحَرِيراً
وفيها بحوث :
1 - جاء ( حريرا ) رويّا مناسقا لكثير ممّا قبل الآية وما بعدها في السّورة ، مثل : ( بصيرا ) ( سعيرا ) ( تفجيرا ) ( مستطيرا ) ( أسيرا ) ( قمطريرا ) ( زمهريرا ) ( قواريرا ) ( تقديرا ) ( كبيرا ) وقد سبق أنّه جاء في ( 9 و 10 ) حرير رعاية للرّويّ أيضا .
2 - جاء فيها ( حريرا ) من دون ذكر اللّباس والثّياب ، فحمله أكثرهم على اللّباس للتّصريح به في ( 9 و 10 )
وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ *
وعمّه بعضهم للّباس والفراش ، وهو المرويّ عن الإمام الباقر عليه السّلام : « جنّة يسكنونها وحريرا يفترشونه ويلبسونه » .
وقال الشّريف العامليّ : « قد ورد في مواضع من القرآن ما يدلّ على تنعّم أهل الجنّة بالحرير فرشا ولباسا » . وليس في القرآن ما يدلّ على كونه فرشا سوى هذه الآية بإطلاقها ، لا بعمومها .
وبعضهم كالميبديّ والماورديّ احتمل أنّ ( الحرير ) كناية عن لين العيش ولذّته وعمّه ابن كثير للجميع ، فقال : « منزلا رحبا ، وعيشا رغدا ، ولباسا حسنا » .
والصّواب أنّ حمله على اللّباس موافق لمنطوق القرآن ، وعلى غيره تعميم للغرض منه .
3 - جاء فيها
جَنَّةً وَحَرِيراً
فجمع بين مسكن فيه