بعدها :
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ . . .
تمثيل لمن دخل الإسلام ، ومن لم يدخل فيه .
عاشرا - وتلك عشرة كاملة - : نبّه الزّمخشريّ على أنّ ( لا ) إذا وقعت في النّفي قرنت ب ( واو ) العطف تأكيدا للنّفي ، وأنّه هذه الواوات ضمّت بعضها شفعا إلى شفع مثل
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، *
وبعضها وترا إلى وتر مثل
وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ
وكذا ما بعدها .
ولكنّه لم يذكر سرّ هذا الشّفع والوتر . ويخطر بالبال أنّه جاء في الأولى ( ما يستوى ) فلم يعطف عليه ( ولا البصير ) أمّا في الباقي فجاء عطف ( لا ) على ( لا ) ، ولكنّه منقوض ب ( ما يستوى الاحياء ولا الأموات ) بعدها ، ولا نعلم وجها لذلك سوى أنّ الجملة الأولى أوّل الكلام وجاء مع الفعل ( ما يستوى ) فلا حاجة فيها إلى تكرار النّفي ، وفي الباقي تكرار للنّفي مع حذف الفعل فيها سوى في الأخيرة .
ومهما كان الأمر فرعاية التّنسيق والجناس في هذه الآيات بلغت أوجها : فقبلها
إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ، *
ثمّ
الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ، *
ثمّ
الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، *
ثمّ « الظل والحرور ، » ثمّ
الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
فجاء ( الظلمات ) جمعا ، و ( النّور ) مفردا ثمّ ( الظل والحرور ) فبين ( الظّلمات ) و ( الظّلّ ) جناس لفظيّ حرفا لا وزنا ، وبين ( النّور ) و ( الحرور ) جناس لفظيّ وشبه معنويّ ، وفي
الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
جناس وزنيّ ، وتضادّ معنويّ .
المحور الثّالث : الحرير ( 9 - 11 )
يلاحظ أوّلا : أنّ فريقا من المفسّرين صرّحوا بمعنى الحرير ، فقالوا : هو إبريسم محض ، أو ما رقّ من الثّياب ، أو لباس حسن ، أو أوراق الجنّة . وفريقا منهم كنّوا عنه بلين العيش واللّذّة والزّينة .
ونرى القول الأخير هو الأظهر ، لاستعماله بمعنى السّيادة والعزّة ورفاهة العيش بكثرة ، كقول المتنبّي يصف وقيعة سيف الدّولة ببني كلاب :
فمسّاهم وبسطهم حرير * وصبّحهم وبسطهم تراب
ثانيا : ختمت آيتا الحجّ : 23 ، وفاطر : 33 ، بنسق واحد :
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ، *
حيث قرنت الحلية باللّباس ، كما في
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
الكهف : 3 ، و :
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
الدّهر : 21 .
غير أنّ الحلية في الأوليين أساور ولؤلؤ ، والثّياب فيها حرير ، والحلية في الأخيرتين أساور فقط ، والثّياب فيهما من سندس وإستبرق ، وكانت أساور الآية الأخيرة من فضّة .
وتنبئ الزّيادة في الحلية واختصاصها بالمصطفين وللّذين آمنوا وعملوا الصّالحات في الأوليين ، عن رجحان كفّة الحرير لكفّة السّندس والإستبرق رتبة ومزيّة وشهرة ؛ حيث يقترن ذكر الحرير بالأساور واللّؤلؤ ، ويقترن السّندس والإستبرق بالأساور دون اللّؤلؤ .
ثالثا : ذكر القرآن هذه الأنواع الثّلاثة من ثياب أهل