واستنهاض للعبيد للتّخلّص من نير عبوديّتهم ، لأنّهم كانوا في الأصل أحرارا . قال الإمام عليّ عليه السّلام : « لا تكن عبد غيرك وقد جعلك اللّه حرّا » . ولو حرص المسلمون اليوم على الذّود عن حرّيّتهم ، وأبوا الخضوع إلى الكفّار ، لأضحوا أحرارا مستقلّين .
ثالثا : انتقد الغربيّون حكم القصاص في الإسلام ، لأنّهم يتخيّلون أنّه ضرب من ضروب القسوة والعنف والتّشفّي من الإنسان ، ودعوا النّاس إلى النّصرانيّة ، لأنّها بزعمهم دين السّماحة والسّلام .
ولكن فاتهم أنّ كتابهم طافح بأحكام جائرة ، تقضي بقتل الإنسان أو الحيوان لأمور تافهة ، نحو : مسّ جبل سيناء ، لأنّ الرّبّ ينزل عليه ! الخروج ( 19 : 12 و 13 ) ، وشتم الأب أو الأمّ ! الخروج ( 21 : 17 ) ، بل استئصال كلّ كائن حيّ عند احتلال المدن ومداهمتها ! التّثنية ( 20 :
16 ) .
ونشهد في هذا العصر قتل الآلاف المؤلّفة من بني البشر بأيدي اليهود والنّصارى أو عملائهم في أرجاء العالم بذرائع شتّى ، أعدّوا أسبابها بأنفسهم .
ولا غرو أن نرى اليوم بعض المتفيهقين والمتتشدّقين الّذين يدّعون الإسلام ، يلوكون أحكام هذا الدّين الحنيف ، ويقدحون في شرعه المنيف ، يبنون على ما أسّسه الغربيّون ! ! لاحظ « ق ص ص : القصاص » .
المحور الثّاني : الحرّ والحرور في ( 6 إلى 8 ) :
يلاحظ أوّلا : أنّ الآية ( 6 ) تحكي قول المنافقين لبعضهم بعضا ، حينما استنفر الرّسول المسلمين إلى غزوة تبوك ، وكان ذلك في شدّة الحرّ وطيب الثّمار ، وذكروا في معناها : لا تخرجوا مع الرّسول في الحرّ الشّديد ، أو لا تخرجوا سراعا في هذا الحرّ .
وكان الحافز إلى هذا القول - كما هو ظاهر الآية - الفرار من الحرّ ، إلّا أنّ الغرض - كما تحاكي آيات قبلها وما بعدها - هو تثبيط عزائم المسلمين وكسر نشاطهم والتّواصي بينهم بالمخالفة لأمر اللّه ورسوله ، كما قال :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا
الأحزاب : 18 .
ثانيا : لعلّ قائلا يقول : إنّ ردّه عليهم بقوله :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ،
لا يفي بما يحتجّ به عليهم ، لأنّه واضح بيّن ، فشتّان بين حرّ الشّمس وحرّ النّار .
والجواب : إنّما جاراهم في ظاهر القول تذكيرا وتحذيرا لهم ، مثل :
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
التّوبة : 61 ، كما هو تعريض بعقولهم أيضا في ذيلها
لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ .
ثالثا : أنّ الحرّ ذريعة قد تذرّع بها المنافقون للصّدّ عن الجهاد في سبيل اللّه كما هو ديدنهم ، فلو استنفرهم الرّسول في الشّتاء ، لتعلّلوا بالبرد أيضا ، ونظير ذلك :
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
الحجر : 14 ، 15 ، و :
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ
فصّلت : 44 .
وقال الإمام عليّ عليه السّلام يصف تثاقل أصحابه عن حرب أهل الشّام : « فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ ، قلتم : هذه حمّارة القيظ ، أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ ،