ولا زالت هذه المشكلة قائمة إلى يومنا هذا في أمريكا ، رغم هذه الويلات والنّكبات ، ولكن بنمط آخر ؛ إذ تحوّل الصّراع بين المحرّرين ( البيض ) والمحرّرين ( السّود ) ، بعد أن كان الصّراع دائرا بين البيض أنفسهم حول تحرير السّود .
واهتمّ الإسلام كذلك بتوفير الغذاء والكسوة للمحتاجين بصور مختلفة ، وجوبا - كما في هاتين الآيتين - أو استحبابا ، لأنّ الحرّيّة والغذاء متلازمان ، فإن انفكّ أحدهما عن الآخر ، اختلّ النّظام الاجتماعيّ ، فيبرز الكبت أو العوز . ولذا جمعا هنا وفي قوله تعالى :
فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
البلد : 13 ، 14 .
وهذا خلاف ما حدث في روسيا قبل تسعين عاما تقريبا ؛ حيث أسّس « لينين » الحزب الشّيوعيّ ، ونادى بإشباع حاجات الإنسان الاقتصاديّة كفافا ، ورغباته الجنسيّة دون حدّ « الشّيوعيّة الجنسيّة » . ولكنّه حدّ من حرّيّة الفرد - كما هو طابع هذا النّظام - وصادرها ، فضاق النّاس به ذرعا فثاروا ، فأخمد ثورتهم بالنّار والحديد ، وقتل الملايين من البشر في هذه البلاد .
وخصوصا إبّان حكم « ستالين » رفيق « لينين » ؛ لمطالبتهم بالحرّيّة . لاحظ « ط ع م : طعام وإطعام ، وظ ه ر :
يظاهرون ، وي م ن : أيمان » .
سادسا : نبّهوا في
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ *
على نكات :
1 - التّحرير : الإعتاق - ومثله عتق الرّقبة - والحرّ والعتيق : الكريم ، كما أنّ اللّؤم في العبيد ، فالتّحرير تكريم للعبيد ، قاله الزّمخشريّ .
2 - لمّا كان الإنسان خلق ليكون مالكا للأشياء ، كما قال :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
البقرة : 29 ، فكونه مملوكا تشويش لمقتضى الإنسانيّة ، وسمّيت إزالة الملك تحريرا ، أي تخليصا له عمّا يكدّر إنسانيّته ، قاله الفخر الرّازيّ .
3 - العبوديّة موت والحرّيّة حياة ، فلمّا فوّت القاتل حياة المقتول ، فعليه أن يحيي مملوكا بتحريره .
4 - إنّ العتيق عبد من عباد اللّه ويرجى من نسله من يقوم بعبادة اللّه ، والقاتل فوّت عليه هذا الوصف ، فلابدّ أن يجبره بتحرير عبد يقوم بدله بهذا الواجب ، أفاده وما قبله ابن عاشور .
5 - التّحرير : تطهير لذنب القاتل الّذي هلك على يديه إنسان محقون الدّم ، أفاده وما قبله القرطبيّ .
6 - لمّا أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار ، لأنّ إطلاقها من الرّقّ كإحيائها ، لأنّ الرّقيق ملحق بالأموات ؛ إذ الرّقّ أثر من آثار الكفر ، والكفر موت حكما ، كما قال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
الأنعام : 122 ، ولهذا منع العبد من تصرّف الأحرار .
7 - لمّا أبقى اللّه للقاتل خطأ نفسا مؤمنة ؛ حيث لم يوجب عليه القصاص ، فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة ، أفاده القاسميّ .
8 - كان من شأن العرب إذا أسرت أسيرا أن يجمع يديه إلى عنقه ، وإذا أطلقته من الأسر أطلقت يديه من عنقه ، فجعل تحرير الرّقبة كناية عن عتقه ، وإن لم يكن هناك غلّ في رقبته ، كما أنّ قبض اليد وبسطها كناية عن