يلاحظ أوّلا : أنّه قيّدت الرّقبة في ( 1 ) ب ( مؤمنة ) ثلاث مرّات ، وأطلقت في ( 2 ) و ( 3 ) ، والحكمة في ذلك القيد - كما قال القاسميّ - « أنّه لمّا أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء ، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار ، لأنّ إطلاقها من قيد الرّقّ كإحيائها » .
وهذا حقّ في الأوّلين دون الأخير ، لأنّه كافر ذمّيّ أو معاهد ، وإن جاز أن يكون هو أيضا مؤمنا من قوم آخرين ، بينهم وبين المؤمنين ميثاق بدليل هذا القيد .
وسيتلى عليك ما نبّهوا عليه من النّكات في التّعبير ب تحرير رقبة .
ثانيا : في ( ب ) كفّارة دون دية ، وفي ( أ ) و ( ج ) كفّارة ودية معا ، لأنّ نماء الدّية هنا يدعم البلاد الكافرة ، فتشتدّ شوكتها على الإسلام ، ولذا تعمد الدّول المستكبرة في هذه الأيّام إلى تجميد أرصدة الدّول النّامية في مصارفها ، لإضعاف اقتصادها .
ولكن ربّما قيل : إن كان الأمر كذلك ، فلم أوجب دفعها إلى أولياء المقتول الذّمّيّ أو المعاهد ، وهم كفّار لا يؤمن جانبهم ؟
قيل : نسخ هذا الحكم بقوله تعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
التّوبة : 1 ، أو هو استثناء من هذه الآية ، والبحث موكول إلى الفقه .
لاحظ « ب ر ء : براءة ، وع ه د : عاهدتم » .
ثالثا : تشدّد القرآن في تحرير الرّقبة المؤمنة دون هوادة ، ولكنّه رخّص في غير المؤمنة ؛ إذ خيّر في ( 2 ) بين إطعام عشرة مساكين ، وكسوتهم ، وتحرير رقبة ، أو صيام ثلاثة أيّام عند عدمها . كما خيّر في ( 3 ) بين تحرير رقبة ، وصيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستّين مسكينا ، وهذا يشهد على حرمة المؤمن عند اللّه وعظم خطره .
رابعا : أنّ كفّارة الأيمان هي : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، أو صيام ثلاثة أيّام . وكفّارة المظاهرة هي : تحرير رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستّين مسكينا على التّوالي فيها . فثقّل العقوبة على المظاهر بتثقيل بديل تحرير الرّقبة ، لفداحة فعله ، ولذا استهلّها بالأصعب فالصّعب . وخفّفها على المقسم بتخفيف البديل ، لطفافة فعله ، فاستهلّها بالأسهل فالصّعب - وهو تحرير رقبة - ثمّ السّهل : صيام ثلاثة أيّام .
خامسا : عالج القرآن في هاتين الكفّارتين أربعة احتياجات خطيرة ، تنشدها المجتمعات البشريّة قاطبة لدنياها وآخرتها ، وهي : الحرّيّةتحرير رقبة ، :
وتوفير الغذاء « الإطعام » ، واللّباس « الكسوة » - في ( 2 » فقط - للمساكين ، وتهذيب النّفس ( الصّيام ) . لاحظ « ص وم : الصيّام » .
وقد دعا الإسلام إلى الحرّيّة بهدوء ودون تهريج حتّى تلاشى الرّقّ من المجتمعات الإسلاميّة على مرّ العصور ، كما نرى ذلك اليوم . وهذا خلاف ما فعله « إبراهام لنكولن » في الولايات المتّحدة الأمريكيّة قبل ثلاثة قرون تقريبا ؛ إذ دعا إلى تحرير العبيد الّذين جلبوا من أفريقيا ، ليعملوا في مزارع الولايات الجنوبيّة ، وسرعان ما نشبت الحرب الأهليّة بين شمال الولايات الأمريكيّة وجنوبها من جرّاء هذه الدّعوة ، واستمرّت سنوات ، وراح ضحيّتها الآلاف من النّاس ، وأحرقت المزارع ، وخرّبت الدّور ، ونزح المدنيّون من أوطانهم .