وحمل أكثرهم ( الحرث ) فيها على « المزرعة » وفاقا لما جاء في سبب نزولها أنّ الأخنس أحرق الزّرع ، وحمله بعضهم على الرّجال أو النّسوان ، بناء على أنّ الأخنس قتل من قوم ثقيف جماعة ، ولم يحرق شيئا .
وشذّ عن الإمام الصّادق عليه السّلام : « أنّ المراد ب « الحرث » في هذا الموضع الدّين » .
وهي لا توافق سياق الآية ، لأنّ الإهلاك لا يطلق على الدّين ، فالآفة فيها من قبل الرّواة . وعندنا أنّ كلّا من الحرث والنّسل جاء بمعناه الشّائع ، ولا يصرفه عنه ما روي بخلافه .
ويخطر بالبال أنّ
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
بيان لما قبلها :
سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
كما جاء في ذيلها :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
فهي من هذه الجهة تشبه ( 2 ) أيضا .
3 - وجاء في ( 4 ) ( الحرث ) رديفا للنّساء والبنين وغيرها ممّا سبق بحثها في « حبّ » . وهو بمعناها الشّائع :
المزرعة . لاحظ تلك الموادّ إضافة إلى « م ت ع : متاع » .
4 - جاء في ( 5 )
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ . . .
فجمع فيها الحرث والأنعام كما جمعا في ( 4 ) ( والانعام والحرث ) مع تفاوت بين الآيتين ؛ حيث قدّم ( الحرث ) في ( 5 ) وأخّر في ( 4 ) تقديما ( الأنعام ) وصلا ب ( الخيل ) للمناسبة بينهما في :
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ .
كما أنّ تقديم الحرث في ( 5 ) يناسب ( ذرا ) قبله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً
فإنّ مادّة « ذرأ » تحاكي الظّهور . قال الطّبرسيّ ج 4 ص 270 :
« والذّرأة : ظهور الشّيب . . . وقد ذرأت لحيته ، إذا شابت » ، ففي « الذّرء » و « الحرث » شيء من الظّهور .
هذا رغم تقديم الأنعام في آية بعدها ، وكلاهما بشأن الأنعام اللّاتي حرّمها المشركون على أنفسهم ( 6 )
وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ . . .
وقد سمّيت سورة الأنعام بها ، فقد كرّرت ( الأنعام ) فيها 6 مرّات . لاحظ « ن ع م : أنعام وح ج ر : حجر »
5 - وجاء في ( 7 ) بشأن قضاء داود وسليمان :
إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
على خلاف بينهم في أنّه كان بستان كرم أنبتت عناقيد ، أو زرع وقعت فيه الغنم ليلا ، وهذا هو المناسب للمعنى الشّائع في ( الحرث ) والموافق لنصّ الآية .
وقد احتملهما الطّبريّ بلا ترجيح ، فقال : « وجائز أن يكون ذلك كان زرعا ، وجائز أن يكون غرسا وغير ضائر الجهل بأيّ ذلك كان » .
ورجّح الأوّل الفخر الرّازيّ قائلا : « والأوّل أشبه بالعرف » ، والقرطبيّ قائلا : « وهو في الزّرع أبعد من الاستعارة » .
وقد عدّه الخفاجيّ - لو كان بمعنى الكرم - « مجازا على التّشبيه بالزّرع » ، ولعلّه من أجل أنّ الكرم يوم ذاك كان منبسطا على الأرض دون المعروش على السّاباط ، وكلاهما يوجد الآن في البلاد ، وأكثرهم على أنّه حقيقة فيهما . لاحظ : « ح ك م ، وداود وسليمان » .
6 - جاء ( حرث ) في ( 8 و 9 ) مضافا إلى ( قوم ) في الأولى
أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ
وإلى الضّمير ( كم ) في الثّانية
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ