قال ابن عطيّة : « فلفظة ( الحرث ) تعطي أنّ الإباحة لم تقع إلّا في الفرج خاصّة إذ هو المزدرع » .
وقال البروسويّ : « لمّا عبّر عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهنّ بالإتيان » .
وقال الجصّاص : « تدلّ الآية على أنّ إباحة الوطأ مقصورة على الجماع في الفرج ، لأنّه موضع الحرث » .
وقال الآلوسيّ : « هذه الجملة مبيّنة ل
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
لما فيه من الإجمال من حيث المتعلّق ، والفاء في
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
جزائيّة ، وما قبلها
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
علّة لما بعدها ، وقدّم عليه اهتماما بشأن العلّة ، وليحصل الحكم معلّلا ، فيكون أوقع ، ويحتمل أن يكون المجموع ، أي
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
كالبيان لما تقدّم ، أي
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
والفاء للعطف ، وعطف الإنشاء على الإخبار جائز بعاطف سوى الواو » .
4 - ومن ذلك كلّه ظهر أنّ القرآن لا يدلّ على تحليل إتيان النّساء في الدّبر لو لم يدلّ مفهوما على تحريمه بقوله :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ،
والمسألة بعد محلّ البحث في الفقه استنادا إلى السّنّة لاختلافها . وقد اتّفقوا على الكراهة الأكيدة .
5 - استفاد مكارم الشّيرازيّ من الآية : ضرورة وجود المرأة لاستمرار الحياة ببقاء النّسل .
أمّا الآية الثّانية :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ . . .
ففيها بحوث أيضا :
1 - هذه تتميم لما قبلها من أمر السّاعة :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
الشّورى : 17 - 19 .
فالحقّ والميزان كلاهما إشارة إلى حساب الأعمال عند قيام السّاعة ، ثمّ فصّله ببيان موقف المؤمنين والكافرين من السّاعة ، بأنّ الّذين لا يؤمنون بها لا يخافون منها ، ويستعجلونها مكابرة ، ومراء ، واستهزاء بها . والّذين يؤمنوا بها مشفقون منها ، لأنّهم يعلمون أنّها الحقّ .
ثمّ أكّد أنّ الفرقة الأولى يمارون فيها وأنّهم في ضلال بعيد ، والفرقة الثّانية من جملة عباده الّذين يلطف بهم ، ويرزقهم من موضع القوّة والعزّة .
ثمّ عاد إلى عاقبة الفريقين بأنّ ما يكتسبان هو حرث لهما ، لكنّهما متفاوتان فيما يريدان ، فالمؤمنون يريدون حرث الآخرة ، والكافرون يريدون حرث الدّنيا ، ولكلّ منهما جزاء مناسب لكسبهم ، فقال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ .
وقد أدام فيما بعدها من الآيات حال الفريقين في الآخرة أيضا : بأنّ الفرقة الأولى - ووصفهم بالظّالمين - لهم عذاب أليم وأنّهم مشفقون ممّا كسبوا ، وهو واقع بهم .
والفرقة الثّانية - ووصفهم بأنّهم آمنوا وعملوا الصّالحات - جزاؤهم :
فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
الشّورى : 22 .
2 - إنّ اللّه بدأ في ( 11 ) بحال المؤمنين قبل الكافرين