تحرثون ونحن الزّارعون .
والفرق بينهما أنّ الحرث أوائل الزّرع ومقدّماته من إثارة الأرض ، وإلقاء البذر فيها ، وسقي المبذور ونحوها ، والزّرع آخر الحرث من خروج النّبات ، واستغلاظه ، واستوائه على سوقه ، وإثماره بأطواره ومراحله . فما كان منها فعل النّاس هي تلك المقدّمات ، وما كان فعل اللّه هي النّتائج ، ولا يشكّ أحد أنّ انعقاد الحبّ في السّنبلة مثلا ليس فعل النّاس ، فبدأ بما هو فعل النّاس ، وانتهى إلى ما هو فعل اللّه ، كما هو الواقع من تقدّم المقدّمات على النّتائج . ولكن المصطفويّ عكسهما حيث قال : « أي قد زرعتموه أوّلا حتّى تحرثونه » وكأنّه أراد بالحرث الحصاد ! !
3 - قال :
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
ولم يقل : أم نحن تزرعون ، رعاية لرويّ الآيات ، وتأكيدا أنّه من صفاته الثّابتة وأفعاله المستمرّة ، كالرّحمان والرّحيم وسائر الصّفات ، كما أنّ صيغة المضارع ( تحرثون ) مشعرة بالتّجديد والاستمرار ، أي ما تجدّدون حرثه مستمرّين به .
4 - طرح الفخر الرّازيّ سؤالا : إذا كان الزّرع فعل اللّه ، فلم قال تعالى :
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
الفتح : 29 ، وقال النّبيّ عليه السّلام : « الزّرع للزّارع » فأطلق « الزّارع » على الحارث .
وأجاب عن الآية بأنّ الحارث يتعجّب ممّا يترتّب على حرثه وانتهى إليه عمله من توفّر النّبات ، ولا يعجبه إلّا الشّيء العظيم ، فقال :
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
أي الّذين تعوّدوا أخذ الحراث .
وعن الحديث بأنّه لو قال : الزّرع للحارث ، لشمل من أثار الأرض وسوّاها قبل إلقاء البذر ، مع أنّ الزّرع لمن ألقى البذر ، على مذهب أبي حنيفة دون من أثار الأرض .
ونقول : إذا تتبّعنا نصوص هذه المادّة لغة وكتابا وسنّة ، فسوف نقتنع بأنّ الحرث والزّرع كانا يتبادلان تسامحا وتوسّعا في الكلام ، فيأتي أحدهما مكان الآخر أو يعمّهما جميعا ، فلا حاجة إلى التّكلّف بما ذكر . قال ابن عطيّة في
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ :
« ويسمّى الزّرع حرثا للمجاورة والتّناسب ، ويدخل سائر الشّجر والغراسات في ذلك حملا على الزّرع ، ومنه
إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ » .
ب : جاء « حرث » معرّفا بلام الجنس 4 مرّات ( 2 - 5 ) ، ونكرة مرّة ( 6 ) ، ومضافا مرّتين ( 8 و 9 ) وكلّها بمعنى « المزرعة » أي الأرض الّتي زرعت ، وفيها بحوث :
1 - جاء في ( 2 ) بشأن بقرة بني إسرائيل :
إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
أي بقرة ليست بذلول تحرث وتسقى بها الأرض . قيل : إنّها كانت بقرة وحشيّة ما كانت يستفاد منها للزّرع والسّقي كما كانت شائعة في البقرة الأهليّة ، فلم تحرث ولا تسقي الأرض ، وكلاهما تفسير ل ( ذلول ) . لاحظ « أث ر : تثير » .
وفي الجملتين :
تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
جناس صوتيّ بين « تثير وتسقى » وجناس لفظيّ بين « الحرث والأرض » .
2 - وجاء في ( 3 )
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
وفيها أيضا جناس صوتيّ ولفظيّ معا .