شبّه حال إتيانهم النّساء في المأتى بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ، ثمّ أطلق لفظ المشبّه به على المشبّه .
والأوّل أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههنّ بالحرث تشبيها بليغا ، وهذه الجملة مبيّنة - لما قبلها -
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
. . . »
وقال رشيد رضا : « أحلّ قبلها غشيان النّساء ، وبيّن في هذه الآية حكمة هذا الغشيان . . . وهي الاستنتاج والاستيلاد ، لأنّ الحرث هو الأرض الّتي تستنبت ، والاستيلاد كالاستنبات ، وهذا التّعبير على لطفه ونزاهته ، وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
. . . » ، أو بيان له .
هذه الأقوال مختلفة لفظا ، وإجمالا وتفصيلا ، متّحدة مفهوما ، وهي شاهدة على احتواء الآية على نكات بلاغيّة ، لاحظ المصطلحات البلاغيّة في « المدخل » .
2 - فقد اتّفقوا على أنّ المراد ب
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
أنّهنّ مزرعة للولد بالجماع ، بشهادة
فَأْتُوهُنَّ
قبلها ، و
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
بعدها .
وشذّ المصطفويّ بأنّ المراد بها النّظر إليهنّ ابتهاجا ومسرّة كالنّظر إلى المزارع بحجّة أنّ النّساء سكن للرّجال ، كما قال :
خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها
الرّوم : 21 ، وأنّ المزارع هي سبب ابتهاج النّاس ، كما قال :
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
الحجّ : 5 ، وقال : « وقد اشتبه على المفسّرين تفسير هذه الآية - أي
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
- حيث فسّروا الحرث بالزّرع ، ووقعوا في انحراف عن الحقيقة ، فإنّ النّساء للسّكون إليها والتّعيّش معها في الحياة توجب الأنس بها مسرّة وبهجة ، والزّرع من آثار تلك الحياة » .
ونقول له : أوّلا : إنّ الأمر بالإتيان مرّتين - قبلها وبعدها - كالصّريح فيما اجتمعوا عليه من إرادة مجامعتهنّ ، خاصّة إنّ الأمر بالإتيان جاء عقيب الأمر باعتزالهنّ في المحيض :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ
البقرة : 222 ، وقد سكت المصطفويّ عنه ، ولو أريد بها الابتهاج بهنّ لكان المناسب أن يقول : « فانظروا إليهنّ » .
وثانيا : كون النّساء سكنا لا ينافي كونهنّ حرثا للولد بالجماع بل جمع اللّه بينهما في آدم وزوجه :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً . . .
الأعراف : 189 .
على أنّ أكبر السّكون بهنّ يحصل بالتّشفّي بهنّ من طغيان الشّهوة الجنسيّة ، ممّا نصّ عليه القرآن مرّات :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ . . .
آل عمران : 14 ،
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ . . .
الأعراف : 81 ،
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ
البقرة : 187 .
3 - فرّعوا على ما ذكر في وجه إطلاق الحرث على النّساء أنّ المراد ب
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
إتيانهنّ في فروجهنّ ، لأنّها موضع الحرث ، وأنّ المراد ب ( انّى شئتم ) من أيّ جهتين : أمام ووراء ، دون من أيّ السّبيلين لكي يستفاد منه تحليل الدّبر ، بداهة أنّ الدّبر لا يأتي منه الولد وليس حرثا .