ما ذكرنا عن سعيد بن جبير ، على مثال الصّرد والجعل ، وجّهه إلى جماع جملة من الحبال جمعت جملا ، كما تجمع الظّلمة ظلما ، والخربة خربا .
وكان بعض أهل العربيّة ينكر التّشديد في الميم ، ويقول : إنّما أراد الرّاوي الجمل بالتّخفيف فلم يفهم ذلك منه ، فشدّده .
وحدّثت عن الفرّاء ، عن الكسائيّ أنّه قال : الّذي رواه عن ابن عبّاس ، كان أعجميّا . وأمّا من شدّد الميم وضمّ الجيم ، فإنّه وجّهه إلى أنّه اسم واحد ، وهو الحبل أو الخيط الغليظ .
والصّواب من القراءة في ذلك عندنا : ما عليه قرّاء الأمصار ، وهو
حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
بفتح الجيم والميم من الجمل وتخفيفها . ( 8 : 178 )
نحوه الماورديّ ( 2 : 223 ) ، والفخر الرّازيّ ( 14 :
77 ) ، والقرطبيّ ( 7 : 206 ) ، والبيضاويّ ( 1 : 349 ) .
الزّمخشريّ : [ نقل القراءات وأضاف : ]
والجمل مثل في عظم الجرم . [ ثمّ استشهد بشعر ]
فقيل : لا يدخلون الجنّة حتّى يكون ما لا يكون أبدا ، من ولوج هذا الحيوان - الّذي لا يلج إلّا في باب واسع - في ثقب الإبرة . ( 2 : 78 )
نحوه الطّبرسيّ ( 2 : 418 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 493 ) ، والآلوسيّ ( 8 : 118 ) ، ورشيد رضا ( 8 : 418 ) .
ابن عطيّة : [ نقل رواية الكسائيّ عن ابن عبّاس وأضاف : ]
وهذا ضعيف لكثرة أصحاب ابن عبّاس على القراءة المذكورة . ( 2 : 400 )
ابن الجوزيّ : الجمل : هو الحيوان المعروف .
فإن قال قائل : كيف خصّ الجمل من دون سائر الدّوابّ ، وفيها ما هو أعظم منه ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أنّ ضرب المثل بالجمل يحصّل المقصود ؛ والمقصود أنّهم لا يدخلون الجنّة ، كما لا يدخل الجمل في ثقب الإبرة ، ولو ذكر أكبر منه أو أصغر منه ، جاز ، والنّاس يقولون : فلان لا يساوي درهما ، وهذا لا يغني عنك فتيلا ، وإن كنّا نجد أقلّ من الدّرهم والفتيل .
والثّاني : أنّ الجمل أكبر شأنا عند العرب من سائر الدّوابّ ، فإنّهم يقدّمونه في القوّة على غيره ، لأنّه يوقّر بحمله فينهض به دون غيره من الدّوابّ ، ولهذا عجّبهم من خلق الإبل ، فقال :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
الغاشية : 17 ، فآثر اللّه ذكره على غيره لهذا المعنى .
ذكر الجوابين ابن الأنباريّ ، قال : وقد روى شهر بن حوشب عن ابن عبّاس أنّه قرأ : ( حتّى يلج الجمّل ) بضمّ الجيم وتشديد الميم ، وقال : هو القلس الغليظ .
وهي قراءة أبي رزين ، ومجاهد ، وابن محيصن ، وأبي مجلز ، وابن يعمر ، وأبان عن عاصم ، قال : وروى مجاهد عن ابن عبّاس : ( حتّى يلج الجمل ) بضمّ الجيم وفتح الميم وتخفيفها .
قلت : وهي قراءة قتادة ، وقد رويت عن سعيد بن جبير ، وأنّه قرأ : ( حتّى يلج الجمل ) بضمّ الجيم وتسكين الميم . وهي قراءة عكرمة .
قال ابن الأنباريّ : ف ( الجمل ) يحتمل أمرين : يجوز أن يكون بمعنى الجمّل ، ويجوز أن يكون بمعنى جملة من