تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
العدنانيّ : ويقولون : هذا يجعلني أن أواصل الدّراسة ، والصّواب : هذا يجعلني أواصل الدّراسة ، أي يحملني على مواصلتها ، لأنّ زيادة « أن » على المفعول به الثّاني ل « جعل » يجعل تأويلها وما بعدها بالمصدر متعذّرا ؛ إذ لا يجوز أن نقول : هذا يجعلني مواصلة الدّراسة . ( معجم الأخطاء الشّائعة : 56 ) المصطفويّ : والتّحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : ما يقرب من التّقدير والتّقرير والتّدبير ، بعد الخلق والتّكوين . والتّقدير بعد التّكوين قد يتحقّق في زمان التّكوين خارجا ، وهو متأخّر اعتبارا ولحاظا ، كما في :
جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
يونس : 5 ،
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً
النّحل : 72 ،
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
النّحل : 78 ،
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
السّجدة : 8 ،
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
الأنبياء : 31 . وقد يتحقّق في زمان بعد التّكوين ، كما في
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
فاطر : 1 ،
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
الأعلى : 5 ،
إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً
الحجرات : 13 ،
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
طه : 53 . وقد يتحقّق التّقدير في إعطاء مقام ومنزلة بعد التّكوين ، كما في :
إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ
المائدة : 20 .
إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ
الأعراف : 69 ،
وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً
الفرقان : 35 ،
وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ
الأنبياء : 72 ،
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
الأنبياء : 73 . وقد يكون في التّشريع والأحكام ، كما في :
فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
الإسراء : 33 ،
وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ
الأحزاب : 4 ،
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
الحجّ : 36 ،
لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ
النّور : 63 . وقد يكون التّقدير من المخلوق ، كما في :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ
البقرة : 19 ،
يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
الحجر : 96 ،
أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً
الكهف : 95 ،
جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ
يوسف : 70 ،
فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ
القصص : 38 . والحاصل أنّ « الجعل » إنّما يتحقّق مفهومه إذا استعمل منسوبا إلى آثار التّكوين أو لوازمه أو خواصّه ، أو فيما يتعلّق عليه ، فإنّ التّقدير وما يقرب منه كالتّدبير والتّنظيم والحكم - ويجمعها مفهوم الجعل - فإنّه أعمّ إنّما يكون بعد الخلق والتّكوين . وأمّا ما يقال في تفسيره من الخلق والصّنع والتّسمية والتّصيير والإعطاء وأمثال ذلك : فإنّما هو تفسير بمناسبة المورد ، وليس من الحقيقة بشيء ، وحقيقة الجعل هو ما يقرب من التّقدير والتّقرير . وأمّا إطلاق « الجعول » على ولد النّعام : فإنّ النّعام يقال في حقّه : إنّه لا يسمع صوتا ولا يشرب ماء ، والشّامّة منه قويّة جدّا ، ويدرك بما ما لا يدركه بالسّمع سائر الحيوانات في الجملة ، فلا بدّ أنّ ولده من أوّل نشوئه يكون مدبّرا ومتفكّرا في أموره ، ومقدّرا معائشه وأطوار حياته .