البروسويّ : [ نحو أبي السّعود وأضاف : ]
قال في « التّأويلات النّجميّة » : من طبيعة الإنسان المجادلة والمخاصمة ، وبها يقطعون الطّريق على أنفسهم ، فتارة مع الأنبياء يجادلون لا يقبلون بالنّبوّة والرّسالة حتّى يقاتلونهم ، وتارة يجادلون في الكتب المنزلة ويقولون : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ، وتارة يجادلون في محكماتها ، وتارة يجادلون في متشابهاتها ، وتارة يجادلون في ناسخها ومنسوخها ، وتارة يجادلون في تفسيرها وتأويلها ، وتارة يجادلون في أسباب نزولها ، وتارة يجادلون في قراءتها ، وتارة يجادلون في قدمها وحدوثها ، على هذا حتّى لم يفرغوا من المجادلة إلى المجاهدة ومن المخاصمة إلى المعاملة ومن المنازعة إلى المطاوعة ومن المناظرة إلى المواصلة ، فلهذا قال تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا .
( 5 : 259 )
القاسميّ : أي مجادلة ومخاصمة ومعارضة للحقّ بالباطل . ( 11 : 4073 )
المراغيّ : الجدل : المنازعة بالقول ، ويراد به هنا المماراة والخصومة بالباطل .
وخلاصة ذلك : أنّ جدل الإنسان أكثر من جدل كلّ مجادل . لما أوتيه من سعة الحيلة ، وقوّة المعارضة ، واختلاف النّزعات والأهواء ، وقوّة العزيمة إلى غير حدّ ، فلواتّجه إلى سبل الخير ، وتاقت نفسه إلى سلوك طريقه ، ارتقى إلى حظيرة الملائكة ، ولو نزعت نفسه إلى اتّباع وساوس الشّيطان ، انحطّ إلى الدّرك الأسفل ولحق بأنواع الحيوان ، يفعل ما يشاء ، غير مقيّد بوازع من الدّين ، ولا زمام من العقل وصادق العزيمة . ( 15 : 165 )
مغنيّة : المراد بالجدل هنا : الخصومة بالباطل ، بدليل قوله تعالى في الآية التّالية :
وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ
الكهف : 56 .
أمّا القرآن الكريم فهو كتاب اللّه إلى عباده ، يهديهم بدلائله ومواعظه ، ويحثّهم على التّمسّك بأحكامه وتعاليمه . وقد أوضح سبحانه هذه المواعظ والدّلائل بشتّى الأساليب ، وضرب عليها من أجل ذلك الكثير من الأمثال ، منها الرّجلان المذكوران في الآية ( 32 ) ، وتشبيه الحياة بالماء في الآية ( 45 ) من هذه السّورة .
ولكنّ أكثر النّاس لا يعقلون ويخاصمون في أوضح الواضحات ، ويحاولون إبطال الحقّ ودحضه بالمماراة والأكاذيب . ( 5 : 139 )
الطّباطبائيّ : الجدل : الكلام على سبيل المنازعة والمشاجرة ، والآية - إلى تمام ستّ آيات - مسوقة للتّهديد بالعذاب بعد التّذكيرات السّابقة . ( 13 : 331 )
عبد الكريم الخطيب : الجدل والمراء آفة الإنسان ، والحجاز الّذي يحجز عقله عن أن يميز الخبيث من الطّيّب ، ويفرّق بين النّور والظّلام
وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ،
فتلك هي بليّة الإنسان ، ومضلّة الضّالّين ، ومهلك الهالكين ، من أبناء آدم . ( 8 : 635 )
مكارم الشّيرازيّ : الجدل تعني محادثة الآخرين على أساس المنازعة وإظهار نزعة التّسلّط على الآخرين ، ولهذا فإنّ المجادلة تعني قيام شخصين بإطالة الحديث في حالة من التّشاجر . وهذه الكلمة في الأصل مأخوذة - وكما يقول الرّاغب في « المفردات » - من جدلت الحبل ، أي ربطت الحبل بقوّة ، وهي كناية عن أنّ