تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
معناه أقبل التّوبة ، وإنّما كان لفظه مشتركا بين فاعل التّوبة والقابل لها ، للتّرغيب في صفة التّوبة ؛ إذ وصف بها القابل لها ، وهو اللّه ؛ وذلك من إنعام اللّه على عباده ، لئلّا يتوهّم بما فيها من الدّلالة على مقارفة الذّنب أنّ الوصف بها عيب ، فلذلك جعلت في أعلى صفات المدح . والتّوبة هي النّدم الّذي يقع موقع التّنصّل من الشّيء ؛ وذلك بالتّحسّر على موافقته ، والعزم على ترك معاودته إن أمكنت المعاودة ، واعتبر قوم المعاودة إلى مثله في القبح . وهو الأقوى ، لإجماع الأمّة على سقوط العقاب عندها ، وما عداها فمختلف فيه . فإن قيل : ما الفائدة في هذا الإخبار ، وقد علمنا أنّ العبد متى تاب لا بدّ أن يتوب اللّه عليه ؟ قلنا : أمّا على مذهبنا ، فله فائدة واضحة ، وهو أنّ إسقاط العقاب عندها ليس بواجب عقلا ، فإذا أخبر بذلك أفادنا ما لم نكن عالمين به . ومن خالف في ذلك قال : وجه ذلك أنّه لمّا كانت توبة مقبولة وتوبة غير مقبولة ، صحّت الفائدة بالدّلالة على أنّ هذه التّوبة مقبولة . ومعنى قبول التّوبة : حصول الثّواب عليها ، وإسقاط العقاب عندها . ( 2 : 48 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 1 : 242 ) البغويّ : أتجاوز عنهم جميع سيّئاتهم ، وأقبل توبتهم . ( 1 : 194 ) نحوه الشّربينيّ . ( 1 : 108 ) الفخر الرّازيّ : اعلم أنّه تعالى لمّا بيّن عظيم الوعيد في الّذين يكتمون ما أنزل اللّه كان يجوز أن يتوهّم أنّ الوعيد يلحقهم على كلّ حال ، فبيّن تعالى أنّهم إذا تابوا تغيّر حكمهم ، ودخلوا في أهل الوعد . وقد ذكرنا أنّ التّوبة عبارة عن النّدم على فعل القبيح ، لا لغرض سواه ، لأنّ من ترك ردّ الوديعة ثمّ ندم عليه - لأنّ النّاس ذمّوه ، أو لأنّ الحاكم ردّ شهادته - لم يكن تائبا . وكذلك لو عزم على ردّ كلّ وديعة ، والقيام بكلّ واجب ، لكي تقبل شهادته ، أو يمدح بالثّناء عليه لم يكن تائبا ، وهذا معنى الإخلاص في التّوبة . ثمّ بيّن تعالى أنّه لا بدّ له بعد التّوبة من إصلاح ما أفسده ، مثلا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه ، يلزمه إزالة تلك الشّبهة ، ثمّ بيّن ثالثا أنّه بعد ذلك يجب عليه فعل ضدّ الكتمان وهو البيان ، وهو المراد بقوله : ( وبيّنوا ) فدلّت هذه الآية على أنّ التّوبة لا تحصل إلّا بترك كلّ ما لا ينبغي ، وبفعل كلّ ما ينبغي . قالت المعتزلة : الآية تدلّ على أنّ التّوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصحّ ، لأنّ قوله : ( واصلحوا ) عامّ في الكلّ . والجواب عنه : أنّ اللّفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده . قال أصحابنا : تدلّ الآية على أنّ قبول التّوبة غير واجب عقلا ، لأنّه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثّناء على نفسه ، ولو كان ذلك واجبا لما حسن هذا المدح . ومعنى ( أتوب عليهم ) أقبل توبتهم ، وقبول التّوبة يتضمّن إزالة عقاب ما تاب منها . فإن قيل : هلّا قلتم : إنّ معنى
فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ
هو قبول التّوبة بمعنى المجازاة والثّواب كما تقولون