بيان ذلك : أنّ تسيير الجبال ودكّها ينتهي بالطّبع إلى تفرّق أجزائها وزوال شكلها ، كما وقع في مواضع من كلامه تعالى عند وصف زلزلة السّاعة وآثارها ؛ إذ قال :
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً
الطّور : 10 ، وقال :
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً
الحاقّة : 14 ، وقال :
وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
المزّمّل : 14 ، وقال :
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
القارعة : 5 ، وقال :
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا
الواقعة : 5 ، وقال :
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ
المرسلات : 10 .
فتسيير الجبال ودكّها ينتهي بها إلى بسّها ونسفها وصيرورتها كثيبا مهيلا وكالعهن المنفوش ، كما ذكره اللّه تعالى . وأمّا صيرورتها سرابا بمعنى ما يتوهّم ماء لامعا ، فلا نسبة بين التّسيير وبين السّراب بهذا المعنى .
نعم ينتهي تسييرها إلى انعدامها وبطلان كينونتها وحقيقتها ، بمعنى كونها جبلا . فالجبال الرّاسيات الّتي كانت ترى حقائق ذوات كينونة قويّة لا تحرّكه العواصف ، تتبدلّ بالتّسيير سرابا باطلا لا حقيقة له ، ونظيره من كلامه تعالى قوله في أقوام أهلكهم وقطع دابرهم :
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
سبأ : 19 ، وقوله :
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
المؤمنون :
44 ، وقوله في الأصنام :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
النّجم : 23 .
فالآية بوجه كقوله تعالى :
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
النّمل : 88 ، بناء على كونه ناظرا إلى صفة زلزلة السّاعة . ( 20 : 166 )
مكارم الشّيرازيّ : وتأتي الآية الأخيرة لتخبرنا عن حال الجبال في ذلك اليوم الحقّ
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ،
وبملاحظة كلّ ما جاء في القرآن الكريم بخصوص مصير الجبال ليوم القيامة ، تظهر لنا أنّ الجبال ستطويها مراحل متعاقبة ، وتبدأ من حركتها
وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً
الطّور : 10 .
ثمّ تحمل وتدكّ
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً
الحاقّة : 14 ، فتكون تلالا من الرّمال المتراكمة
وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا
المزّمّل : 14 ، فتصبح كأصواف منفوشة
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
القارعة : 5 ، فتتحوّل غبارا متناثرا في الفضاء
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا
الواقعة : 5 ، 6 .
ولا يبقى منها أخيرا إلّا الأثر ، كما أشارت لذلك الآية المبحوثة ، وكأنّها سراب يلوح في الأفق ، ويصبح سطح الأرض مستويا بعد أن تمحى الجبال من عليه
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً
طه : 105 ، 106 .
السّراب : من « السّرب » وهو الذّهاب في طريق منحدر ، فعندما يسير الإنسان بين المنحدرات في الصّحراء ، يتراءى له من بعيد تلألؤا يظنّه ماء ، وما هو إلّا انكسار في الأشعّة يسمّى السّراب ، ثمّ أطلقت كلمة « السّراب » على كلّ ظاهر خال من المحتوى .
وبهذا تكون إشارة الآية إلى بداية حركة الجبال ونهاية أمرها ، فيما تعرّضت بقيّة الآيات - الّتي ذكرناها - إلى المراحل المختلفة ما بين البداية والنّهاية .
فإذا كانت عاقبة الجبال على مالها من شموخ وصلابة